قبل قرابة 95 عاما في جنوب الجزيرة العربية أراد السيد محمد الإدريسي -مؤسس الإمارة الإدريسية في المخلاف السليماني- أن يسعى إلى توسيع إمارته ومد حدودها. أول ما قام به هو استغلال الهالة الدينية التي كانت حول جده وأبيه حينما كانا واعظين ومرشدين في أصول الدين. حيث طلب من مؤيديه وأعوانه نشر بعض الخرافات التي لا يصدقها العقل حول شخصه، عن قدراته الخارقة والعجيبة على تحقيق المستحيل وتسهيل الصعب وتيسيره.

يشير المؤرخ الزركلي في كتابه (شبه الجزيرة العربية في عهد الملك عبدالعزيز) إلى إحدى تلك البدع والخرافات، أن الإدريسي كان يمتلك "صندوق كهرباء"، وفي أحد المرات أخرج من داره سلكا متصلا بالصندوق من الداخل ويتصل به سلك إلى الخارج به مقبض من حديد، ثم جمع الناس من حوله وأمر أحد شيوخ القبائل بمسك المقبض فلما أمسكه اختلجت أعصابه وأمسك به الثاني ليخلصه فسرى إليه التيار الكهربائي! صاح الناس مستجيرين بالإدريسي رجل الدين ذي القدرات العجيبة. عندها قام الإدريسي بإبطال تأثير الصندوق من الداخل وخرج عليهم، وعندها أخذوا يتهاتفون ويتبركون به، وبدأ مؤيدوه في نشر الإشاعة فيما يمتلك من طاقة وقدرات، وأن سيفه يقتل عدوه بمجرد إشارته به على خصمه، وغيرها من الخزعبلات والخرافات، وانتشرت هذه الإشاعات حتى وصلت مصر والسودان وشمال أفريقيا.

اليوم وفي أحد برامج التواصل الاجتماعي -الإنستجرام- هناك صفحة تختص باستفسارات السيدات ومناقشة احتياجاتهم وما يطرحونه من مواضيع على بعضهم باحثين عن الإجابة من خلال تجارب الأخريات.

بينما أنا أتصفح هذا الحساب، وجدت منشورا لإحداهن تطلب فيه أرقام أفضل الرقاة والمختصين بالطب الشعبي والشرعي، كانت التعليقات -مع الأسف- تعج بالأرقام والثناءات على فلان الفلاني وفلانة الفلانية مع ذكر قصص خيالية في شفاء من أمراض عضالية على أيديهم. لفت نظري بين تلك الردود لصاحب حساب متخصص بهذا النوع معلقا: "تفضلوا حسابي مختص بجميع منتجات الراقي فلان العلاني وأرقام التواصل معه وحجز المواعيد".

دخلت هذا الحساب ووجدت به صورا لبعض الأعشاب الطبيعية ودواعي استعمالها وقدراتها الخارقة في علاج العقم وعلاج السكري وغيرها من الأمراض المستعصية، مع مقاطع فيديو لرجال ونساء كان يرقيهم وتظهر عليهم علامات التأثر بالراقي، في حكاية أشبه بحكاية صندوق الإدريسي. بالإضافة إلى صور لمحادثات -مزيفة- استشهادا بها على حسن نتائج هذه المنتجات وقدرتها الهائلة على الشفاء.

بالتأكيد نحن نتعاطف مع مرضك، نتعاطف مع بذل جهدك في البحث عن الحلول العلاجية لحالتك، نتعاطف مع ما تعيشيه أنت أو هو من أمراض نفسية أو عضوية، والتي هي غالبا نتيجة لضغط في العمل أو ضغوط دراسية أو اقتصادية معيشية وما إلى ذلك من ظروف الحياة التي لا تخلو حياة إنسان طبيعي منها، والتي استغلها هؤلاء ليشخصوا أسبابها بإصابة بالعين أو الحسد أو السحر للوصول إلى أهدافهم وغاياتهم في الكسب والثراء، بعد بث الأوهام وإفساد عقائد المرضى بالمخالفات الشرعية، كما أنها تعيدهم إلى الخلف فتقل ثقتهم في الطب العلمي، وتقل زيارتهم له مع الاعتماد الكلي على دجالي الطب الشعبي والرقاة.

عامة الناس أصبح لديهم الوعي في مختلف الأمور، أما فيما يتعلق بهذا الأمر تحديدا فما زال بعضهم يجد صعوبة في التفريق بين الإقرار بوجود السحر والعين والحسد في القرآن الكريم والإيمان الروحي بأنها حق، والقناعة بأنه ليس كل ما نواجهه في حياتنا هو سحر أو عين أو حسد أو مرض روحي. ثم إن أفضل علاج نفسي في مثل هذه الحالات -بعيدا عن دجالي ومتكسبي الدين- هو أن يرقي الإنسان نفسه بنفسه، وقراءة ما تيسر من آيات القرآن الكريم وإعطاء النفس حقها من الراحة والبعد عن المشاكل التي هي سبب ذلك كله، وبالنسبة للمرض الجسدي فعلاجه بكل تأكيد هو زيارة الطبيب المختص، وعرض الحالة عليه وفحصها وأخذ حقها من تشخيص الطب العلمي، بعد اليقين أن الشفاء من الله وحده.

يتفق العديد من الأطباء الشعبيين والرقاة الشرعيين مع حكاية صندوق الإدريسي في استغلال جهل البعض ونقائهم وإيمانهم بكلام الله تعالى وآياته، ويختلفون في ماهية الهدف من وراء هذا الاستغلال، صحيح أنه مرت عقود من الزمن على قصة الإدريسي، لكن أشباهه باقون إلى يومنا هذا بنفس التصرفات والسلوك واستغلال الدين على حساب طيبة أهل النفوس النقية. وكما قال طرفه بن العبد: "ما أشبه الليلة بالبارحة".