لا نستطيع أن نخفي رؤوسنا في التراب ولا نعترف بأن هنالك تحديات تواجهنا، أخطرها الانقسامات التي باتت تشكل فجوة واضحة في بنية مجتمعنا وتزداد اتساعا كل يوم! أصبحنا لا نرى الآخر إلا من خلال عدسات التصنيف، نرفض أن نفهم، نرفض أن نستوعب، نرفض أن نتنازل! ومن يدرس الوضع من خلال النظرة الشمولية للكادر إما يصاب بالإحباط قد يصل حد الخوف من المستقبل، أو يسعد وينتشي إن كان هذا الهدف الذي يسعى إليه! والمؤسف حقا حين نجد أن بعض مؤسسات الدولة لم تساعد كثيرا في عمليات التوضيح أو التفسير، لدرجة أن المواطن بات يؤمن أنها خارج نطاق التواصل الفعال معه! نعم الجميع يسعى نحو التغيير، لكن السؤال هنا هل بإمكاننا أن نعتبر هذه الفترة الحرجة نقطة تحول ننطلق منها؟

هل يمكننا كأبناء وطن واحد أن نتناول من جديد مهمة الحوار البناء، وإيجاد آليات واضحة وموضوعية تفتح أقنية تواصل حديثة تعطي المجال لصوت المواطن العادي حتى يصل للسلطة دون أي تدخل للتجميل أو التشويه؟ هل يمكننا أن نشارك في حوار هادف مع أولئك الذين يختلفون عنا في تجاربهم ورؤاهم؟ هل يمكننا أن نركز على العمل معا نحو الصالح العام بدلا من أن يغني كلٌّ على ليلاه؟

تاريخنا يثبت أننا قادرون على التعاطف والتضحية إن تطلب الأمر، والدليل تفاعلنا في مواجهة الأزمات، كيف أننا فجأة ننسى كل شيء ونقف صفا واحدا ونمد يد العون لإخوتنا. فلماذا إذن نتجمد ونرفض التعاطف والتضحية في الخلافات التي تواجهنا؟ نعم لدينا مفاهيم مختلفة حول كيفية إصلاح الأمور وسبل التغيير لمواكبة العصر الحديث، بل لدينا جداول أولويات قد تصل حد التعارض، لكن في الوقت ذاته نتفق جميعا حول دور مؤسسات الدولة فيما يتعلق بخدمة المواطن، وعلى أهمية العمل الجماعي من أجل التصدي للتحديات التي تواجهنا كأبناء أرض واحدة.

هذا لا يعني أن نسعى إلى جعل الجميع على رؤى ومبادئ وتطلعات واحدة، فالاختلاف ثراء في الخبرات، وبالتالي يشكل إضافات في بناء نسيج المجتمع، حيث تتنوع طرق التفسيرات وعرض الحلول، ولذا فإن الكثير يعتمد على الكيفية التي ننظر بها للآخر في مجتمعنا، فرغم الاختلاف نجد أننا نجتمع حول نفس التطلعات والأهداف حين يتعلق الأمر بمستقبلنا ومستقبل أبنائنا من بعدنا، فإن كانت هذه نقاط تقاطع فلماذا لا نقترب لنتعرف أكثر ونحاول أن نفهم أن نتعاطف طالما أن الأهداف واحدة، بل المصير أيضا؟! لماذا لا ننتبه لما نسمع وما نقرأ، وهنا أعني نحلل وندرس ولا نكتفي بصوت واحد نتبعه ونقيس عليه؟ لماذا نسمح لأنفسنا بأن نصغي لمخاوف الغير ونجعلها طوقا يسلبنا الإرادة والتفكير؟ ألا يكفينا كل هذا التعصب وخطب التحريض وشعارات العداء والتفرقة؟ والله ما تعرضنا له إلى الآن من سموم الكراهية والتفرقة يكفي أن يسمم دهرا وليس حياة واحدة! ولماذا نصغي للغريب حين يحدثنا من الخارج بما نريد أن نسمعه ونعادي القريب حين يحدثنا من الداخل بما لا نريد أن نسمعه؟! هل قلب الغريب أحنّ علينا من قلب ابن البلد؟! لماذا لا نعطيه فرصة ونتحاور معه في حين نفرد سجاد بعض صحفنا لمن عادانا يوما ويتسع صدرنا للصفح والمغفرة، بينما يضيق على أبناء الوطن؟!

ألم يأن الأوان بعد كي نقدم الاحترام على الازدراء، أن نقدم حسن النية على الاتهامات الجاهزة والقياس الجائر؟ ألا يستحق أبناؤنا وبناتنا أن نتقابل ونتحاور من أجل بناء مستقبل لهم خال من السموم والعداء؟ لمَ لا نستحضر النيات الحسنة والثقة ونفتح المجال كي نصغي ونفكر ونعمل على إيجاد الحلول كأسرة واحدة من قلب وطن واحد؟

لنركز على الشخص لا الرأي، وهنا أعني أنه إنسان مواطن جزء من نسيج المجتمع، ولنبتعد عن الشيطنة لأننا متى ما فعلنا ذلك نكون قد أوصدنا جميع الأبواب أمام طرق التفاهم، حيث إننا بذلك نكون قد سلبنا الآخر صفة الإنسانية، وبدل الانفتاح على ما يحمله أو يريد قوله، تقفل العقول ويسود توقع الأسوأ من كل تحرك قول أو تصريح! إن الشعور بالازدراء بناء على الحكم المسبق على الدوافع بأنها ليست إلا للهدم ونشر الفساد والفتن أو لتقيد الحريات وتجميد التمدن أو نشر الجهل والتبعية أو أي تهم معلبة جاهزة للتسويق والنشر، شعور يسهم في قتل أي فرص للتواصل أو بذل أي جهد للتفاهم! بمعنى آخر لنتناقش لنتحاور ولنستعرض الآراء دون قيد التشكيك في الدوافع والنوايا. ولنجتمع على ما يوحدنا ولنبدأ من الأهداف المشتركة كأبناء وطن واحد حتى مع من يختلف معنا في الرأي، بغض النظر عن مرجعيته، ثقافية فكرية سياسية اجتماعية دينية قانونية كانت أو اقتصادية.

لنخرج من الصندوق وننفتح على الأفكار الجديدة، فإن قراءة أو مناقشة أفكار الآخرين ليست فقط عملية تثري مخزون المعلومات لدينا، بل هي وسيلة فاعلة لاختبار صحة وقوة أفكارنا، تساعدنا على تحديد، وبشكل أدق، تعريف ما نؤمن به من رؤى وتوجهات، وتسهم في توضيح الأسباب التي تجعلنا نتمسك بها، وحينها فقط نستطيع أن نحكم بموضوعية مستندة على فكر حر واعٍ ومطلع.

من الاختلاف خرجت دولة هي المملكة العربية السعودية، فليكن دعاؤنا لتوحيد الصف وبناء وتطوير جميع أرجاء الوطن، فأرضنا ليست مملكة للرجال فقط أو النساء، أو مملكة مذهب أو طائفة أو قبيلة أو حتى مدرسة فكرية، إنها مملكة جميع أبنائها على تنوعهم واختلافهم تجمعهم هوية مميزة تحت راية واحدة... نقطة على السطر انتهى!