يتلاعب كثير من الديماغوجيين بعقول الجماهير من خلال مبدأ اسمه (الإنسانية)، فمثلا من السهل أن تصبح بلا موقف نهائيا، بحيث تتمسك بدعوى الإنسانية اللزجة، لتصبح مبررا للاموقف، بينما هناك موقف يمكن الاعتراف به واسمه (الحياد العاجز)، وهناك موقف اسمه (الحياد الفاعل) وهو الموقف الإنساني، وأخيرا هناك كلمة (لا أعلم) التي يجب أن نتعلمها ففيها مبتدأ العلم الحقيقي والعافية من التعالم، بدلا من تصنع (موقف إنساني) مزيف.
ليس عارا أن تكون بلا موقف خوفا من عواقب الموقف، العار أن تشوه الإنسانية بوضعها شماعة لك كعاجز عن اتخاذ موقف، فالإنسانية مصطلح تعلمته الحضارة الحديثة بثمن غالٍ ليس منه التذاكي والكيل بمكيالين، ولهذا من حقنا أن نكره ونحب، ولكن دون أن ننسب المنطق العاطفي زورا وبهتانا للإنسانية كموقف أخلاقي سامٍ، فالعاطفة غريزة تميل للقطيع أحيانا كثيرة وتعمى عن غير عرقها وطائفتها، وليس لها علاقة بالإنسانية كموقف أخلاقي شامل.
الموقف الإنساني في أصله حياد فاعل، الصليب الأحمر الدولي حياد فاعل ليداوي جراح الأعداء دون أن يوقف الحرب بينهم وقد يصابون في سبيل نقل الجرحى، منظمة أطباء بلا حدود حياد فاعل لخدمة المرضى دون تمييز عرقي أو ديني أو سياسي وقد يصابون بالأوبئة في سبيل علاج المرضى، الموقف الإنساني أن تكون على الحياد لتحقق فعلا إنسانيا للآخرين، وما أراه من الديماغوجيين هو موقف إنساني طلبا للسلامة من استبداد الظالم وحماقة المظلوم دون فعل شيء، لا لضحايا الاستبداد ولا لضحايا الحماقة، موقف الديماغوجي هو موقف نأي النفس عن المتصارعين دون العمل على استثمار هذا الحياد في سبيل نهضة الشعوب المسحوقة بطموحات الزعماء وأمراء الحرب وقادة الميليشيات وأوهام الأيديولوجيا.
من يقول لك: أنا موقفي إنساني، فهو إما خائف من اتخاذ موقف سياسي، أو هارب من إلزاماته، أو بحاجة إلى منطقة محايدة كواحة آمنة وسط الحروب القاحلة القاتلة من حولنا، فالموقف الإنساني ليس دفنا للرأس بين الرمال، بل التزام حقيقي لشخصية قررت الانتماء للعالم، فالإنسانية مضاد موضوعي للدعوى الأيديولوجية في الأمميات التي ظهرت، فكما أن الإٍسلام السياسي يدعو للصراع مع الأمم الأخرى بحسب دينها، وأحيانا يدعو للصراع حتى على مستوى الدين الواحد كصراع طائفي، فإن الإنسانية أوسع من الإسلام السياسي لتعتبر العالم ميدانا للقيم الواحدة دون تفرقة على أساس عرق أو دين أو لون أو طائفة، ولهذا (المسلم) الحقيقي إنساني يحزن لبؤس هذا العالم، ويفرح لفرح هذا العالم، أما (الإسلامي) فعنده قائمة طويلة من الشروط السياسية التي يلبسها ثوب العقيدة ليفرح بقتل هذا، وتصفية أولئك، واغتيال ذاك، تحت مبررات دينية عامة فهذا كافر وهذا مسلم، أو تحت مبررات دينية خاصة، فهذا سني وذاك شيعي، وصولا لمبررات ميكروسكوبية داخل المذهب السني الواحد لمن يصف بعض أهل السنة بالقبوريين الوثنيين، كشوفينية عقائدية مشوارها طويل جدا جدا لتفهم المعنى الإنساني الشامل في الدعوة المحمدية التي يراها ضيقة على سبعة مليارات إنسان في هذه الأرض، ولهذا صدق محمد الماغوط عندما قال: "عمرها ما كانت مشكلتنا مع الله، مشكلتنا مع الذين يعتبرون نفسهم بعد الله".
الحرب موقف سياسي، والموقف الإنساني منها كراهيتها قطعا والدعوة لإنهائها، والدخول في تفاصيل هذه الكراهية بين طرفي النزاع هو تلاعب بالموقف الإنساني لصالح تمرير مواقف سياسية لأحد الأطراف ضد الآخر، والفرجة على ركام الجثث عجز عميق، دواؤه ليس في قتل النفس لصالح أحد الأطراف، بل بنشر الوعي الذي ساد أبناء أوروبا بعد حروبها العالمية، فالمنتصر مهزوم، والجثث من أي طرف ليست رقما في الإحصاء، بل حكايات تروى لأطفال كبروا على أن يعبدوا بشرا بالطاعة المطلقة والحق المطلق إذا نطق كي لا يكرروا مأساة هتلر وموسوليني، والبديل العربي لصدام والقذافي ليس مشروع الخميني بعمامة سوداء ولا مشروع المرشد الإخواني بعمامة بيضاء، البديل هو الكرامة الإنسانية للفرد، وأقول الكرامة الإنسانية لأن شرطها لا يستثني أحدا لأسباب عرقية أو دينية، ولهذا فمن الطبيعي أن الشعوب المتحضرة تعيش وفق قوانينها، أما الشعوب العربية فتعيش رغم قوانينها، فقوانين الحضارة اختيار الشعب وكرامة الفرد، وقوانين ما قبل الحضارة مجرد إكراهات للشعب الصبور كبعير تنتظر الضباع قشته التي تقصم ظهره ليشاركوا في اقتسام لحمه الطري باسم الدين وباسم الوطن، وما زالت شعوبنا العربية تحاول أن تفيق، والعاقبة للعقلاء الصابرين.