نشرت "الوطن" الأسبوع الماضي تقريرا لافتا عن "نظام تعليمي في مدرسة أميركية يبهر الخبراء"، وذلك في الأسبوع الأكثر حرجا في التعليم العام لدينا، والأكثر ثقلا على قائدي المدارس والمعلمين، والمُسمى عرفا بين منسوبي التعليم بالأسبوع الميت. هذا الأسبوع هو الذي يسبق الإجازات الرسمية التي تقع وسط الفصول الدراسية، أو الذي يسبق أسابيع الاختبارات النهائية، وتقل فيه نسبة حضور الطلاب بشكل ملحوظ، حتى تكاد تصبح صفرا في كثير من المدارس، وبالتالي تتعطل العملية التعليمية القائمة بالأساس على تقديم الدروس والمناشط للطلاب. وتمتد هذه العدوى، عدوى الغياب، إلى الأسبوع الذي يلي هذه الإجازة أو في بداية العام الدراسي والفصل الدراسي الثاني، وعادة ما يكون في أول يومين منها.
يحكي ذلك التقرير اللافت عن مدرسة "وينر" الابتدائية في أميركا التي تبدأ دائما يومها الدراسي بحفل راقص ثم طابور مدرسي، يليه تجمّع صباحي لجميع منسوبي المدرسة من طلاب وموظفين في كافتريا المدرسة لمدة 20 دقيقة يتناقشون فيه بأريحية ودون تكلف حول تلك الأغنية التي بدؤوا بها صباحهم وعن مطربيها وموسيقاها، بالإضافة إلى الحديث عن أحد مدن العالم الشهيرة لمدة أسبوع. بالإضافة إلى ممارسات أخرى اجتماعية مرحة وخفيفة يمارسها الطلاب مبكرا وقت التجمع الصباحي من شأنها أن تخلق "مناخا مدرسيا" مليئا بالسعادة والشعور بالانتماء للمجتمع. يعلق مدير المدرسة حسب التقرير بأنه باستطاعته ملاحظة أن الجميع في المدرسة التي يديرها "يشعرون بالسعادة" لأنها تبدو مكانا مبهجا للتعليم.
تمنيت لو امتد التقرير قليلا ببحث عن نسب الغياب في المدرسة بشكل عام خلال العام الدراسي كله وقبل الإجازات التي تتخلله، والسؤال هل توجد لديهم أسابيع ميتة مثلنا؟ أجزم بأن الإجابة ستكون: (لا توجد)، لأنهم يحققون في بيئتهم التعليمية ما ذكرنا سابقا عن وجود "مناخ مدرسي جاذب"، حيث يستيقظ صباحا الطالب والمعلم على السواء بحماس ورغبة صادقة بالتوجه إلى المدرسة، لأنها مكان يحبه ويمارس فيها ما يحب، وليس على العكس مكان يهرب منه، وتمر ساعاته على نفسه طويلة ومرهقة ينتظر فيها نهاية اليوم، ويتوق للإجازات ويفرح بأسبابها، بل ومن فرط فرحه بها يغيب قبلها بأيام بتشجيع من الأهل والمدرسة التي تقف حائرة كيف تستطيع تجاوز هذه الثغرة التعليمية الفادحة والمتكررة منذ أن كنا طلابا حتى صرنا موظفين وآباء لأبناء نحاول إقناعهم بالذهاب إلى مدارس تصفر في ممراتها رياح الغياب في ذلك الأسبوع الميت!
من وزير لآخر ومن عام لآخر، يبرع المسؤولون في محاولة ابتكار أسباب وأساليب تحد من الغياب، والحقيقة أن ذاك الاجتهاد والحرص يبدأ قبل موعد "الأسبوع الميت" بفترة بسيطة ومن خلال برامج مؤقتة ومحدودة ومكرورة لم تعد تنطلي على ذكاء الطلاب، ولا على رغباتهم وطموحهم الذي نجهل كيف نحققه لهم بأساليب تربوية وعلمية ناجحة. ثم مع إحصائيات الغياب المرتفعة نعود إلى تقاسم اللوم والمسؤولية بين الأسر التي لا تجبر أبناءها على الذهاب إلى المدارس حتى آخر يوم، وبين المدرسة التي تحرص على إخلاء مسؤوليتها عن الغياب الجماعي من خلال تحذيرات مسبقة وبرامج خجولة ووعود تأخذها الرياح مع الأيام.
بالعودة إلى مدرسة "وينر" الابتدائية الأميركية وما تحققه من توفير بيئة تعليمية مبهجة، يؤكد بقية التقرير بعض ما ذهب إليه الخبراء في التربية بأن (المناخ المدرسي هو شيء ينبغي أن يحظى بالأولوية من المعلمين والمجتمعات، باعتباره وسيلة لردم فجوة إنجاز بعيد المنال)، وبالتأكيد أن ابتكار ذلك النوع من المناخ المدرسي في تلك المدرسة الذي يقوم على الحفل الصباحي الراقص والتجمع الصباحي بين جميع منسوبي المدرسة لا يتم في أسبوع أو اثنين قبل الإجازات أو في أوقات محددة من العام الدراسي، بل إنه أسلوب تربوي تعليمي يومي مرن وقريب مما يريده الطلاب.
وعليه فإن وزارة التعليم وهي تحرص في مسارها التطويري الأخير أن تستفيد من تجارب الدول الأخرى في التعليم، عليها أن تولي المناخ المدرسي الاهتمام الأول، وتبحث عن أسباب نفور الطلاب من التعلم وكراهيتهم المعلنة والمخفية للمدارس. الأسباب حتما لن تكون حصرا على جانب واحد، بل إنها تتوزع بين المكان والعاملين والأساليب الدراسية والتعليمية من مناهج وغيرها. حل مشكلة الانضباط في العمل وتفاصيل الحياة كلها لاحقا ثقافة تبدأ لدى الإنسان منذ الصغر بانضباطه في مدرسته ومحبته لها، وهذا لن يتحقق بطرائق العهد القديم من تهديد وحسم للدرجات التي لم يعد النشء يبالي بها كثيرا، ولا بإلقاء الخطب والنصائح الرنانة، بل تقوم على تلبية احتياجات هذا الجيل بالجلوس إليه وسؤاله عما يرغب وكيف ينظر إلى العالم من زاويته هو، وربما تركه يصمم بيئته المدرسية بطريقته التي قد تصدم الحرس القديم بانفتاحها وركضها نحو مستقبل يحلمون به ولو كان بالرقص صباحًا.