خرجت كاثرين من عملها متأخرة واتجهت لشقتها. خلال سيرها لاحظت أن أحدهم يمشي وراءها فأسرعت الخطى ثم ركضت وكانت قريبة جدًا من شقتها عندما هاجمها المعتدي المجهول وطعنها طعنتين في الظهر لتصرخ وتسقط في دمائها ثم يهرب هو. المذهل أن المجرم عاد لضحيته بعد 10 دقائق وأكمل جريمته بالاعتداء عليها وإنهاء حياتها قريبا من مكان سكنها. عندما سأله المحقق كيف تجرأت على إكمال جريمتك على الرغم من صراخها المتواصل؟ ألم تخف أن يبلغ عنك أحدهم؟ ليردّ بدمٍ بارد (الناس لا يهتمون).
جاء في التحقيقات لاحقًا ما يؤكد كلامه! 37 شخصا من أصل 38 يسكنون البناية التي تسكنها كاثرين سمعوا صراخها لم يفعلوا شيئًا. بل إن اثنين شاهدا الحادثة ومع هذا لم يتدخلا ولا حتى بالاتصال بالطوارئ حتى ماتت هذه المسكينة! حصلت هذه الحادثة الصادمة في نيويورك عام 1964 وأجرى بعدها الباحثون في علم النفس الاجتماعي العديد من الدراسات على هذه الظاهرة التي سميت تأثير المارّة (Bystander effect). هناك على ما يبدو ارتباط عكسي بين عدد المتواجدين خلال تعرض أحدهم لاعتداءٍ ما وبين المبادرة لمساعدته، أي أن فرصتك في الحصول على المساعدة تقل بتزايد المحيطين في أزمة ما، لأن كل شخص ينتظر أو يتوقع من غيره أن يبادر بالمساعدة بينما يكتفي هو بالمشاهدة. على الرغم من مراجعة هذه الحادثة أكثر من مرة وتشكيك البعض في صحة الأرقام إلا أن الدرس الذي يجدر أن نتعلمه ونعلّمه لأبنائنا هو أن نبادر لمدّ يد المساعدة ولا نقف مثلما وقف الشهود على موت كاثرين.
وعلى ذكر سيرة الموت، غيّب الموت قبل أيام طفلة تبلغ من العمر 14 ربيعا في منطقة الجبيل اسمها (سارة). يؤكد بعض من يعرف هذه الطفلة أنها عاشت بسلام مع جدتها لأمها المطلقة وأخوالها حتى قرر الأب أن يأخذها لتعيش معه، حيث تعرضت لسلسلة من الضرب والإساءات المتكررة التي بدأت بحرمانها من الدراسة أولاً ثم تصاعدت الاعتداءات ليصحو المجتمع على صدمة موت إحدى زهراته، ورفض والدها تشريح جثتها للتحقق من سبب وفاتها! النتيجة دُفِنتْ سارة ودُفِنتْ معها فصول قصتها الحزينة التي فقدت معها حياتها. إلى هنا انتهت قصة سارة، لكن أليس من الغريب أن تتغيب طفلة عن المدرسة دون أن يفتقدها أحد؟ ألم يدق غياب هذه الطفلة جرس التنبيه للمدرسة لترفع بغيابها للجهة المخولة للبحث عن المتغيبين كالشرطة مثلًا لتقوم بواجبها في البحث في أسباب غيابها وإلزام من يتولّى رعايتها بإحضارها للمدرسة مثلما يحدث في كل أنحاء العالم؟ لا يجب أن تنتهي مسؤولية المدرسة بالاتصال على رقم الهاتف المسجل في (سجلّ الطالب)، ولا يعقل أن يقف النظام التعليمي والأمني عندنا موقف المتفرج حيال اختفاء طفلة من صف دراسي. هذه النقطة تحتاج لمراجعة سريعة وإجراء تعليمي أمني يشترك فعليا في حماية الأطفال في عمر المدرسة من التعرض للأذى. من المهم كذلك التعريف بهذا الإجراء في المدرسة ونشر هذه الثقافة بين الأطفال والمراهقين ليدركوا أنهم ليسوا وحدهم، وهذا كفيل بتعزيز حب المدرسة وحب الوطن عند توظيفه بالشكل الصحيح، لأن الحب والولاء يزدادان مع الإحساس بالأمان، وهذا الأمر يحتاج إلى إرادة وأفعال وليس لأقوال منمقة فقط.
على الطرف الآخر من هذه القضية يقف كل من لاحظَ أو سمع قصة هذه الطفلة أو شهد فصول حياتها القصيرة عمرًا والطويلة ألمًا ولم يبذل جهدًا لإنقاذها مما عانته باعتبار أن غيرَه سيفعل، يشمل هذا أسرتها المقربة وأقاربها من الطرفين ومدرّساتها وأمهات صديقاتها في المدرسة والجارات وأزواجهن وإمام المسجد وكل من شهد جزءًا من عذابها واكتفى فقط بترديد (الله يكون بعونها)، فالدعاء قرين العمل، والله سبحانه أمر مريم عليها السلام بهزّ جذع النخلة في أضعف حالاتها عندما توجهت له بالدعاء وتمنت الخلاص من عذابها. الدعاء وحده لا يغيّر الواقع بل علينا أن نعمل لتغييره بكل الوسائل النظامية والقانونية المتاحة.
كلّما أردت أن تشيح بوجهك عن هذه القضية وأمثالها وتمضي في حياتك تذكّر أنك تنتقل تلقائيًا لطابور المارة، فئة المتابعين بصمت لشريحة مهمة وغالية ومهمشة لا تمتلك أدوات الدفاع عن نفسها وعن بقائها، فئة تشبه فئة ضحية نيويورك الضعيفة التي حفّزت العديد من الدراسات والقوانين. لا يجب أن تمر حالات كهذه تحت أعيننا جميعا دون أن نحاسِب ونسأل (لماذا يحدث هذا وكيف نسهم في إيقافه؟)، فالمجرمون بكل فئاتهم يراهنون على صمت المارة من حولهم.