الوجه الثقافي في الانتخابات الأميركية، كما في كل صراع اجتماعي، هو في التوسل والاستهداف للقيم والمعاني ذات الاستنارة، التي تحفز إلى مزيد من العقلانية والعدالة، ومزيد من الوعي بالمعنى الإنساني خارج أسباب القهر وأشكال الاستبداد المختلفة، وفي مقاومتها.
لكن هذا الوجه الثقافي لا يمكن تجريده وعزله عن الواقع الاجتماعي في أي مجتمع، واقع الاقتصاد والسياسة، الواقع الذي تتصارع فيه وتتعارض مصالح المجموعات الاجتماعية في ما بينها، وفي علاقاتها مع مجتمعات العالم.
وحين تلحُّ الأسباب الغريزية والوجودية، أسباب الضرورة التي تؤدي إلى القلق على الوجود والغنى والنفوذ، فلا مجال –بالبداهة- للمساومة عليها؛ فالرغيف قبل الحرية، ولن يجد الخائف سعة للاستمتاع بقصيدة أو الطرب لمعزوفة...
وعلى الرغم من ذلك، فلن يُسَر العنصري باتهامه بالعنصرية، ولن يقبل قليل الأدب شتمه بالوقاحة، ولن يرضى المستبد بنعته بالظلم. لا لأن أياً منهم ينكر فعله، وإنما لأنه يتأوَّله أخلاقياً وسياقياً، بما يُخرجه من دائرة الذم، ويُكسبه محمدةً إنسانية وثقافية بمعنى أو بآخر.
هكذا لا نستطيع أن ندير ظهورنا تماماً لفلسفة "القوة"، تلك التي أملت على أمثال نيتشه، قسمة الأخلاق إلى "أخلاق العبيد" الذين يقتصر عليهم وحدهم –فيما رأى- امتداح الرحمة والتسامح والإشادة بالصدق والعدالة، و"أخلاق السادة" الذين يستَعْلُون على مداراة المديح من غيرهم، وطلب ثنائه، فما يفعلونه هو المديح ذاته.
ولم تعد الحقيقة –من هذه الوجهة- سوى ما يقوله أو يعترف به "الأقوياء" ولا يكتب التاريخ إلا "المنتصرون".
وهو المنظور الذي يجعل المعسكر "اليميني" في كل مجتمع، مختصراً في معنى: "نحن ومن بعدنا الطوفان"، المعنى الأناني نفسه الذي جسده شاعرنا العربي القديم، أبو فراس الحمداني، في قوله: "إذا مت ظمآناً فلا نزل القطر".
وهو، بتمامه، منظور مدمِّر –طبعاً- للمثالية، ولميتافيزيقيا الأخلاق، ومفكِّك لتلك المسافة الفارقة دائماً عن الغريزة، وعن الضرورة، إلى ما يترقى بالإنسان فوق قانون الغابة، وأخلاقها.
لكن البشرية لم تغادر أبداً التوحش والغرائزية والرغبة في الاستبداد، إلا نسبياً. ولو لم يكن لفلسفة "القوة" تلك –من هذه الوجهة- إلا دور المنبِّه الذي يقلق استسلام "الطيبين" إلى ما يمكن أن يطمئنوا إليه من مثاليات، لكان في ذلك قيمة معرفية ثمينة، ومفعولاً نقدياً كاشفاً ومحفِّزاً إلى توقع المخاطر والاستعداد لها، لا الاستسلام للأمنيات.
هذه قصة الصراع بين الضرورة والحرية، بين القوة والثقافة، وهو صراع إشكالي –بالطبع- من جهة عدم القدرة على الفكاك من شراكه، ومن جهة ما يحدث من تلبس أحد طرفيه بالآخر بما يموِّه حقيقتهما معاً في اكتساب القوة تبريراً -من الثقافة- لطغيانها، وفي تحوُّل الثقافة إلى أدلوجة عنف سلطوي وتلميع لرجل السلطة.
وهي قصة يمكن تنزيلها على الصراع بين دونالد ترامب وهيلاري كلينتون، في انتخابات الرئاسة الأميركية؛ فرهان ترامب كان على القوة والاقتصاد والأمن والصرامة مع المهاجرين غير الشرعيين، والتدخل دولياً للقضاء على أسباب الخطر المحتملة... وهو رهان يلخصه، في معنى "القوة"، شعارُه: "لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى".
في حين كانت كلينتون تراهن على معان ثقافية إنسانية، من وجهة نسوية وديموقراطية، في تسامحها مع المهاجرين، وفي قربها من الملونين، وفي دعمها لحقوق المرأة، وفي انحيازها لحقوق الإنسان... فكان فوزها –أكثر ما كان- لدى الجامعيين والطبقة المثقفة والملونين وغير المسيحيين، لكن بنسبة أقل من النسبة التي فاز بها باراك أوباما لديهم، من الوجهة نفسها.
والسؤال المطروح بعد هزيمة كلينتون، ليس عن هزيمتها، بل عن هزيمة الثقافة التي كانت تدَّعي تمثيلها: هل انتصرت القوة بكل ما يرمز إليه انتصارها من تراجع القيم والمعاني ذات الاستنارة، التي تفسح لمزيد من ترقي الوعي الإنساني بالحرية والآخر والتسامح، والقدرة على مقاومة القهر؟! وهل كانت هزيمتها هزيمة لأنثويتها، وعنصرية ضدها بوصفها امرأة؟!
فازت القوة، طبعاً، شعار ترامب الرجل الأبيض العنصري ضد المرأة، وضد الملونين، وغير المسيحيين. وهو الفوز الذي انعكس بعد مكالمته مع الرئيس الروسي فلادمير بوتين، نحو مزيد من تصعيد البطش الروسي في سورية، وينتظر المراقبون تعاظم أثر فوزه على اليمين المتطرف في أوروبا والعالم.
لكن هذا الفوز لم يحدث من دون الطعن في تمثيل كلينتون للمعاني الثقافية الإنسانية، وحتى للفكر النسوي من وجهة المرأة. وهذا الأخير هو الذي يميزها عن أوباما، وتعد تكراراً له في الوجهة الثقافية التي أفضت إلى فوزه، وحينها عينها وزيرة للخارجية.
ولذلك كان السؤال عن سبب مناصرة النساء لترامب، مقروءاً من وجهة الطعن في صدقية كلينتون النسوية والثقافية، وفي الوقت نفسه من وجهة الاتهام بممالأتهن لقوة ترامب وعنصريته ولا إنسانيته. وهذه هي منطقة التأويل التي أصبح ترامب بموجبها أدل على النسوية والإنسانية والثقافية من كلينتون.
ففي الموقع الشبكي لدعم النساء لترامب Women for Trump site تبدو ثقافة ترامب النسوية والإنسانية، في مديحهن له بأنه "يدافع عن النساء اللاتي يعملن عنده أكثر من الرجال" في مقابل طعنهن في نسوية كلينتون؛ فهي "تدفع للنساء اللاتي يعملن عندها أقل مما تدفعه للرجال بنسبة 38%" و"الاحترام يبدو في حياته للنساء، بناته وزوجاته" و"سيُبْقِي عائلتي آمنة من تهديدات الخارج والهجرة غير الشرعية".
ولا تكاد تخرج عديد الاستطلاعات لرأي النساء البيض في مواقع الصحف عن ذلك؛ ففي نيويورك ماجازين (2 نوفمبر 2016) نقرأ اتهامهن لكلينتون بالكذب وإنكارهن تمثيلها للمرأة، وامتداحهن ازدياد ترسخ ترامب في المعتقدات المسيحية، ووضعه المسيحيين حوله، وتأمينه أميركا، وحمايته للأسرة. وغدت اتهامات التحرش بالنساء المسجلة عليه "شيئاً طيباً ما دامت برضاهن" من وجهة عديد النساء.
وقد بدت كلينتون في استطلاع في واشنطن بوست، وفي مقال في التايم لجي نيوتن، وفي مواقع أخرى، نخبوية، وجزءاً من المؤسسة، ومشابهة كثيراً لأوباما، ومحبوبة لدى وسائل الإعلام الكبرى. وهذه كلها أسباب مضادة للصفة الثقافية النسوية التي تدَّعي تمثيلها، وهي أسباب تدعو إلى تكذيبها والنفور منها.
هكذا يبدو أن هزيمة كلينتون في الانتخابات لم تكن هزيمة للثقافة النسوية الإنسانية التنويرية التي ادعت تمثيلها، كما يبدو أن ترامب لم يكن منتصراً من دون ادعاء قيم ثقافية إنسانية وصدقية أخلاقية ومدحه بها.
وليس من شأننا هنا أن نبرئ هيلاري كلينتون أو نتهمها، ولا نصدِّق مدائح البيض رجالاً ونساء في دونالد ترامب أو نكذبها، وإنما الشأن في هذه المنطقة من صراعهما، منطقة الصراع بين القوة والثقافة، التي تدلل على أن أيّاً من القوة أو الثقافة، لا يشتغل في الفراغ، وإنما بالاصطدام بالآخر.