"كل ما أستطيع قوله هو أنني لن أتحدث في الآخر ولا عن الآخر، لكنني سأتحدث، إذا تحدثت، (ل) لآخر، ليس لإعلامه بأمر وليس لنقل بعض المعرفة له، لكن لأستدعيه، لأجعله شاهدا بحديث لا يمحو المسافة اللامتناهية بيننا، بل بحديث هذه المسافة، حديث مولود في اللامتناهي". ماذا يريد أن يقول ليفيناز في هذه العبارة؟ يبدو أنه يريد التالي: هناك أشكال مختلفة للعلاقة مع الآخر تظهر في التعبير اللغوي. هناك على الأقل ثلاثة أشكال من الاستعمال اللغوي تعبّر عن ثلاثة أشكال من العلاقات مع الآخر. الأول هو الحديث (في) الآخر. أي أن يكون الآخر موضوعا للحديث. كلمة (في) يفترض أن تشير إلى كون الاهتمام بالآخر هنا ليس عاما ولا عرضيا بل أساسي. الآخر هنا موضوع أساسي للحديث. ليفيناز لا يريد الحديث (في) الآخر. الشكل الثاني من الحديث هو الحديث (عن) الآخر. الحديث عن الآخر يعني أن يكون الآخر موضوعا للحديث بشكل عام أو بين أطراف أخرى. ليفيناز لا يريد الحديث عن الآخر كذلك. الآخر في كلتا الحالتين موضوع للتفكير، مُتحدث عنه. لماذا يرفض ليفيناز كلا الشكلين؟ سنتعرف على ذلك من خلال المقارنة بالشكل الذي يختاره. ليفيناز يريد الحديث لـ(الآخر)، الآخر هنا لم يعد مُتحدثا عنه بل مُتحدثا له. ما الفرق؟ يقول ليفيناز سأتحدث للآخر لا لأزوده ببعض المعلومات ولا بشيء من المعرفة، لكن لكي أستدعي حضوره وشهادته. الحديث للآخر هنا يشبه استضافة الضيف، لكي يحضر. حضور الآخر هنا حضور خاص لدى ليفيناز، حضور لا يجعله يلغي آخريته. يعبّر ليفيناز هنا عن الآخرية بالمسافة الفاصلة بين الذات والآخر. حديث ليفيناز للآخر هو حديث هذه المسافة، حديث يولد في لاتناهي الآخر واستحالة رده للمثيل. المسافة هنا بين الذات والآخر لا متناهية. هذا يعني أن الآخر لا يمكن تحويله إلى الذات، أي لا يمكن رد المختلف للمتشابه. آخرية الآخر تتجدد مثل تجدد لانهائية العدد في الرياضيات. ليس هناك أمل في حد الأرقام، فبعد كل رقم نعتقد أنه الأخير يظهر رقم جديد. كذلك آخرية الآخر تتفلت من كل القوالب والسياقات التي يمكن أن نحصر الآخر فيها. الآخر هنا مستقبل ولانهاية.

هذا الحديث يفترض ألا يكون تجريديا ولا مثاليا، فهو حاضر في كل علاقة إنسانية. مع كل إنسان نتواصل معه نحن أمام احتمالات: إما أن نتحدث فيه بمعنى أن نجعله موضوعا لتأملنا وتفكيرنا. هذا جزء من حياتنا الطبيعية، لكن لا بد من الوعي بأن هذا المستوى من العلاقة مع الآخر يجعل الآخر بعيدا، مفكرا فيه، متحدثا عنه. إنه ضمير غائب وكل ما يحضر منه هو ما يتواجد في أذهاننا عنه، ما نفهمه عنه. غياب الآخر يتحقق حين نعتقد أن الآخر هو ما نفهمه عنه. أي ما أصبح جزءا من وعينا ومعرفتنا. آخريته (ما يتجاوزنا فيه) تسربت من المشهد. هذا يتضح في علاقة المعلم مع الطالب مثلا حين يضع المعلم طالبه في تعريف ويغلق عليه (طالب مجتهد، طالب مشاغب، ذكي، غبي... إلخ). الطالب خارج هذه القوالب يتوقف عن الحضور. الحديث عن الآخر كذلك جزء من العلاقات الطبيعية. الآخر هنا يصبح مادة للحديث مع غيره. يحضر عرضا أو بشكل مجمل. كأن نتحدث عن أصحابنا أو من نحب أو من نكره. نستحضرهم وتنفتح مع ذلك احتمالات أن نعتقد فعلا أنهم كما نتحدث عنهم. أي أن نفقد الحساسية لما يتجاوزنا فيهم، لما هو مفارق ومتعالٍ على قدرتنا على الفهم والوعي. في المقابل هناك حالة أخرى للحديث مع الآخر وهي حالة الحديث للآخر. هنا الآخر أمامي واهتمامي موجه له. هنا انفتح احتمال عدم تحويله إلى موضوع، لكن هذا لا يكفي. قد يحضر الآخر أمامك، لكنك تستمر في التعامل معه كموضوع. بمعنى أن يكون حضوره أمامك لهدف مسبق، وهو نقل معرفة ما له. أي أن تكون العلاقة محصورة في تبادل معارف. الآخر هنا، رغم حضوره المباشر، ليس إلا أداة لنقل المعرفة المقصودة.

الحديث للآخر، كما يشير إليه ليفيناز، يمكن الحصول على مشهد منه في الواقع اليومي المباشر مع أولئك الذين يجيدون الاستماع. أولئك الذين يرحبون بنا مع كل كلمة نقولها. مع من يرحب بنا حتى ولو لم يفهم ما نقول أو حتى حين يختلف مع ما نقول. المضياف هنا هو من يستضيفك، يستمع لك، بغض النظر عما تقول.

من يذكرنا باستمرار أن هناك ما هو أعمق مما نقول في علاقتنا، وهو أننا معا، وأننا مرتبطون بمسؤولية الاستماع. ليفيناز يريد حديثا مع الآخر، يستضيف ويحمي، بل يحتفي بآخريته، منفتح على ما في الآخر من جديد ومختلف ومفاجئ ومربك. لذا الآخر هو من يخرجنا من السكون، من التشابه، هو من يعيد فتح إمكاناتنا باستمرار. المعلمة التي تتحدث لطالباتها هي من تتعلم منهم يوما، لا تتعلم معلومات إضافية فقط، بل إمكانات جديدة ومختلفة كل يوم.