كل يوم ستجد أمامك قضية تُطرح علانية أمام الرأي السعودي، قضايا أحيانا تجدها جريئة جداً وساخنة، وذات نبرة انفعالية لا يمكن أن تتحكم بها، يبدو لي في بعض الأحيان أنها تمتلك صدق الصبيان الصغار في ملعب كرة قدم مليء بالتراب، لكن أصوات اللاعبين لا يمكن لأي أحد إسكاتها، أنها لا تتوقف عن الصراخ، عن الغضب، عن الرغبة في الانتصار، رغم ذلك النزيف المنهمر من رأس أحدهم، أو التواء كاحل أحد أمهر اللاعبين، لكنهم لا يتوقفون عن الاندفاع تجاه الخصم، عن الرغبة في كسب المباراة، حماسهم يدفعك لأن تتساءل ألهذا الحد تبدو قيمة الكرة لأن تصبح أهم من أي شيء آخر في حياتهم، لا تملك وأنت تراقبهم وهم يلعبون بكل تلك الحماسة التي تفوق أجسادهم الضئيلة أن تحسدهم على تفجر طاقاتهم، لكن ما النتيجة؟ ما الذي سيكسبه اللاعب الضئيل في نهاية المباراة؟ أحدهم سيأخذ الكرة معه لأنه من اشتراها، فيما يذهب الباقون إلى بيوتهم، من دون أن يحمل أحدهم كأس النصر، فمباريات الحواري لا يوجد بها أي قانون يكفل للرابحين تتويج بطولاتهم غير توقيع الذاكرة فقط، تلك التي تحمل مذاق الفوز، يكتفي الصبيان أثناء اللعب بالعودة مساءً إلى دورهم وهم إما محملين بالفوز والنصر أو الخسارة، وهذا ما أراه في القضايا التي تظهر بشكل مستمر على ساحة الإعلام، تلك القضايا التي تحارب من أجلها المرأة، فيما تقف أمامها مئة امرأة أخرى ترفض نضالها، الأمر بالنسبة لي يبدو طبيعيا، أن لا يتفق الجميع على عمق القضية أو حتى فضيلتها، ولا يمكن أن تجبر الآخرين على أن يتبنوا لذة الصراع من أجل أن تحمل قضية ما على عاتقك، حاملو القضايا كالصبيان، يصرخون بوجع وحب، لكنهم أحيانا، بل ربما كثيرا، لا يدركون أنه يمكن لهم خسارة قضيتهم، لأن لا أحد يريد أن يتشارك في الصراع مع أية قوة أخرى.

قضايا منذ أول ظهور لها أعرف جيدا أنها لن تنجح أبدا، قراءة سريعة للمجتمع، للأفواه التي لا تستطيع الغفران لأي مخالف لرأيها، للطريقة التي يتم من خلالها استغلال طرح القضية، للبذاءة التي تتصدر المشهد، وفي عدم القدرة على استيعاب أن القضية لربما تهزم وتسقط منذ أول ثوان على حلبة المصارعة، وحينما تذكر لعبة المصارعة فيؤكد المعلقون وكتاب صفحات الرياضة على أنها مصارعة حُرة، أي منفتحة على جميع الأطراف، حُرة لأن تلكم خصمك في أي مكان، ويحق للطرف الآخر أن يحمي جسده بطريقته الخاصة، ورغم ذلك لا يمكن أن نقول عنه إنه جبان، لأنه حاول أن يضع يديه بقفازتيه الضخمتين حول وجهه، عينيه، أنفه، ورغم ذلك يظل مصارعا حُرّاً، وهو يختلف عن المصارعين تجاه قضاياهم في المجتمع السعودي.

لا أظن أن الذين يحملون قضاياهم نحو الإعلام يمكن ولو جزافا أن نطلق عليهم جبناء، بل على العكس هم يعيشون دور البطولة، لأنهم فتحوا عصابات أعينهم ورموها خلفهم، لكنهم لا يستطيعون أن يتقبلوا أن هناك المئات الذين يمكن أن يعارضوا قضاياهم بسبب وأحيانا من دون سبب، كم مرة حملت قضيتك أمام الجمهور وخذلك؟ كم مرة رفعت صوتك لأجل أن يسمع الآخرون صوتك ويتعاطفوا معك، لكنهم لم يشعروا بعظم القضية التي تحملها على عاتقك؟ كثيرون الذين لا يريدون أن يؤمنوا بالقضايا التي يحملها الآخرون، الأكثر من ذلك أن حاملي القضايا لا صبر لديهم، ولا قوة نفسية، ولا ثقافة في كيفية احترام الهزيمة.

أذكر أنني في وقت مبكر كنت مع الحشود الهائلة التي كانت ترفع خطاب صوتها تجاه بعض القضايا التي كنت أدرك أنها لن تنجح، لكني أردت المشاركة رغم علمي بأن لا شيء يمكن أن يحدث ولو حتى تغير بسيط، كنت أشعر بالحزن والأسى، كنت أشعر بالغبن الذي يشعر به أي من يحمل الراية، لكنه في نهاية اليوم، يطوي الراية ويضعها في صندوق خزانته، على أمل أن يستيقظ في اليوم التالي، ويبدأ في الكفاح والصراخ لعل ذلك يحدث أمرا، لكنه لا يحدث، ولا يتغير، ولا يتبدل، وتكرار الهزائم يميت القلب ويطفئ الروح المشتعلة، ومن فرط الأسى وأنا التي لا تفهم بالكرة ولا أعرف حتى أسماء لاعبي المنتخب، أني شعرت على سبيل المثال بالخيبة حينما خسر المنتخب أمام اليابان الأسبوع الماضي، وتساءلت لماذا شعرت بهذه المرارة؟ لماذا كان مهما بالنسبة لي فوز المنتخب؟ ووجدت أن الهزائم في القضايا المطروحة حاليا قد سببت لي الكثير من الارتباك. إننا حتى الآن لم نفهم كيف لنا أن نقبل الخسارة ونعاود من جديد النظر إلى طرح قضايانا بطريقة أكثر فاعلية وأكثر تأثيرا وجدية، إذاً، هل علينا أن نبدأ في طرح القضايا الصغيرة، وبعدها إن نجحنا نبدأ في طرح قضايانا العميقة؟ أم ماذا علينا أن نفعل حينما نريد أن نكسب؟

ثمة قضايا أتخيل أن من يكافح من أجلها يمكن أن يكسب الآلاف من المصفقين والهاتفين، لو أنهم فقط تخلوا عن البرجوازية المقززة في طرح فكرهم أمام العامة، حتى نستطيع أنا وغيري أن نشعر بالمسؤولية تجاه الفكر الذي يحملونه من أجل إجماع كافة أطياف المجتمع، أن نشعر بأن نجاح القضية لن ينسب إليهم وحدهم، وإنما لأن الجميع قد شارك في الصراع من أجل إحقاق الحق، فهل هذا هو الحل؟