كثير من المختلفين جُهال في حقائق ما يختلفون فيه، وربما لو حرروا محل النزاع، وفهموا حقيقة ما يختلفون فيه لسقط الخلاف، كما أن كثيرا من الناس أيضا يرغب أن تبقى المصطلحات حمالة أوجه، ويتعمد غموضها وعدم تحديدها، لأجل أن يستخدمها حسب مكاييله المختلفة، ومن ذلك استخدام أعداء الإسلام لمصطلح الإرهاب، فالفلسطيني الذي يدافع عن نفسه بالحجارة يُعدونه إرهابيا، واليهودي الذي يقتل شعبا كاملا، ويطرده من بلده ليس إرهابيا، فما هو الإرهاب الذي يعنيه أصحاب الغموض في المصطلحات؟
ولو كان الخلاف في المصطلح لفظيا لقلنا لا مُشاحة في الاصطلاح، لكنه في المعنى، يُشوهون به الحق، ويُزخرفون به الباطل.
وحتى أهل العقائد المخالفة، وأهل الشبهات والشهوات، يتعمدون الغموض في المصطلحات، ليفسروها حسب أهوائهم، فكان لا بد من عدم قبول المصطلح على عُجَرِه وبُجَرِه، وإنما يستفصل، فإن أُريد به معنى حقا قُبل الحق، وإن أُريد به معنى باطلا رُدَ، ومن أمثلة ذلك ما يكثر إيراده في كتب العقائد المُخالفة من لفظ (الجهة) فيقولون إذا أثبتنا صفة العلو، فقد أثبتنا الجهة، وهذا المصطلح (أي: الجهة) من عندهم لم يقله الله ورسوله عليه الصلاة والسلام، ولذلك نقول: ماذا تقصدون بالجهة؟ إن أردتم بالجهة العلو، فالله فوق العرش، كما في جواب الجارية عندما سألها رسول الله عليه الصلاة والسلام أين الله؟ قالت: في السماء، فشهد لها بالإيمان، وإن أردتم أنه تحيطه الجهات فهذا قول باطل.
وكذلك أهل الشبهات في زماننا أرادوا إلغاء البيعة والإمامة والسمع والطاعة، فأتوا بمصطلح (جَزَرِي) و(جزراوي) نسبة للجزيرة العربية، بدلا من لفظ (سعودي) نسبة للمملكة العربية السعودية، التي لا يطيقون اسمها، ولذا يسمونها الجزيرة، أو أرض الحرمين، ونحو ذلك، ويقولون لا يصح أن تُسمى الدولة باسم الحكام، بينما لا يرون بأسا في تسمية الدولة الأموية باسم حكامها، والدولة العباسية باسم حكامها، والدولة العثمانية باسم حكامها، وأميركا باسم البحار الإيطالي أمريكوا، والفلبين باسم فيليب، وغير ذلك كثير، البأس عندهم فقط بالدولة السعودية، والسبب في ذلك أنه قُصِد من ذلك تجييش الرعاع على دولتهم السعودية، لكون حكامها هم أنصار التوحيد والسنة، فأرادوا طمس الهوية، ونزع البيعة والسمع والطاعة، تحت شعار المصطلح.
وأهل الشهوات في زماننا: يُطلقون لفظ الحرية والوسطية، ويعنون بالحرية الهروب من الرق الذي خُلقوا له وهو عبودية الله، فيميلون إلى الانفلات من الأوامر والنواهي الشرعية، وربما أرادوا من الحرية حرية الوصول إلى المرأة، ويريدون بالوسطية التوسط بين الحق والباطل، ويفعل هذا وهذا، ويطوع النصوص لإرضاء العصاة، وتبرير مخالفاتهم، ويزعم أنه وسطي غير متشدد، وأنه يريد بذلك إحسانا وتوفيقا.
والحق أن الحرية: ليست هي التحرر من الفضائل التي جاءت بها الشريعة، وإنما هي التحرر من رق النفس والهوى والشيطان، وهي العبودية لله وحده لا شريك له، كما أن الوسطية: هي سلوك صراط الله المستقيم، وفق ما أمر الله به ورسوله، ليكون المسلم عدلا خيارا، غير متناقض ليس من أصحاب الشبهات ولا من أصحاب الشهوات، فالوسط، هم الذين يكونون شهداء على الناس، لاستقامتهم، وعدم تناقضهم. فهذه المصطلحات لا بد أن تضبط بما دلت عليه النصوص الشرعية، وليس بالدعاوى والأماني.
وحتى المصطلحات الفقهية، التي وإن كانت ليست كالمصطلحات السابقة، وإنما هي مصطلحات استعملها العلماء، وأرادوا بها معنى صحيحا، مع ذلك أرى أن الأولى استعمال المصطلحات الواردة في النصوص الشرعية، ومن أمثلة ذلك مصطلح (لبس المخيط) المذكور في محظورات الإحرام، فهذا اللفظ لم يأت بكتاب الله، ولا في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولا في أقوال الصحابة، وإنما قال رسول الله عليه الصلاة والسلام لفظا أحسن من هذا وهو قوله (لا يلبس المحرم القميص ولا العمامة، ولا البرنس، ولا السراويل...) وأول من قال لفظ (لبس المخيط) إبراهيم النخعي، رحمه الله، وكان يقصد معنى ما جاء بالحديث، وكان طلابه يفهمون ذلك، لكن لما طال الزمن سَبّب هذا اللفظ إشكالا، حتى أن بعض الحجاج والمعتمرين يسأل عن المخيط في الحزام أو الساعة ونحوها، وسبب الإشكال هذا المصطلح (لبس المخيط)، لأنه ليس من كلام النبي عليه الصلاة والسلام الصالح لكل زمان ومكان، وقبل أسبوع سألني رجل معتمر وكان مُحْرِما، عن حكم لبس نعله التي فيها خيط، فقلت: وإزارك الأبيض هذا مليء بالمخيط، فنظر إليه وضحك، وقال صحيح، فقلت: إن رسول الله نهى عن السراويل والقميص... الحديث)، ولم ينه عن ما سوى ذلك.