من ذكريات البدايات أنني حينما أورد معلومة أو رقما في مقالي يأتيني الاتصال من الزملاء في قسم الرأي :"المصدر لو تكرمت"!

العتب سيد الموقف أول وهلة - "إلا المصداقية لو سمحتوا"! - لكن العتب تلاشى وأنا أسمع: "نحن نريد حمايتك"!

ذكر المصدر، أو الاحتفاظ بمصدر المعلومة يضمن مصداقية الكاتب والصحيفة، في آنٍ واحد.. ويمنح الصحيفة وكاتبها (حماية قانونية) في حال تلقت استيضاحا أو شكوى.

غير أن الحال قد تبدلت هذه الأيام، فتباينت المقاييس.. فما يطالبنا به البعض.. لم يعد يطالب به الآخرين.. بل لا يمكن لك أن تجد وسط ركام الأسئلة سؤالا يقول "وش مصدرك"!

قبل يومين أمات البعض إحدى الشخصيات الاجتماعية، وقرنوا خبر وفاته ببيان مغلوط منسوب للديوان الملكي!.. دون السؤال عن "المصدر"، وهو ما أزعج ذويه الذين هددوا بمقاضاة من نشر الإشاعة وروّج لها!

بالفعل مُحزن أن تجد هذه الإشاعات من يروّج لها.. ويهيئ لها المناخ التقني؛ لتطير وتنتشر وتبلغ الآفاق - "كفى بالمرء كذبا أن يحدّث بكل ما سمع".

مع التحول المتسارع لم يعد ذات القارئ القديم يهتم، أو يبحث عن "المصدر".. يأخذ الخبر كحقيقة قطعية الثبوت - "يطير في العجّة" - وعند مطالبته بالتثبت انطلاقا من التوجيه الرباني: "فتبينوا".. يقوم باقتيادك لدائرة الاتهام.. فأنت متعاطف مع هذا الشخص أو مع تلك الجهة!

لو واجهنا كل معلومة تقذفها لنا وسائط ووسائل الإعلام الجديد بالقول "المصدر لو سمحت".. دون الالتفات لأحد؛ لما انتشرت هذه الأخبار بهذه السرعة.

مضحك أن الذين كانوا يحاولون ضرب مصداقية الصحف والكتّاب بالقول "كلام جرايد"، ويجبرونها على ذكر "المصدر".. هم الذين ينشرون اليوم الأخبار والإشاعات دون ذكر أي "مصدر"!

نعم، القاعدة تقول "من أسند فقد برئت ذمته".. لكن ليس كل أحد يُقبل الإسناد عليه!