من المعروف عن الكيان الصهيوني الغاصب أنه يحول كل أمر حتى ولو كان مأساة في صالحه، إنهم يحسبونها بالورقة والقلم، ولن يدعوا فرصة ثمينة كهذه تفوت دون عصرها لآخر نقطة والشاهد "الهولوكوست"، وما حدث من انطلاق حرائق في الأراضي المحتلة سوف يستخدم بكل الطرق المشروعة وغير المشروعة في تشويه صورة العرب عامة والفلسطينيين خاصة!
ما إن انتشر خبر اشتعال النيران في الأراضي الفلسطينية المحتلة حتى اشتعلت معها شبكات التواصل الاجتماعي وأطلق هاشتاق "إسرائيل تحترق"! وللأسف وصل للترند بعد أن غرد أكثر من مليون ونصف المليون، وما زال في ارتفاع، حتى إن هاشتاق "لن تسكت المآذن" الذي يدعي الشامتون أن الحرائق اشتعلت بسبب أن العدو منعها من أن تصدح بالأذان لم يصل إلى هذا العدد! بل إن الاعتداءات المتواترة على الحرم القدسي الشريف ليس فقط من حفريات تهدد أساساته، بل تدنيس أرضه الشريفة باقتحامات دورية، لم تلق هذا الاهتمام! لقد نسينا في غمرة الشماتة والفرح بأننا سارعنا في منح العدو الاعتراف بكيانه! نعم عندما نطلق على الأراضي الفلسطينية المحتلة كلمة "إسرائيل" فنحن نسهم في نشر وغرس هذا المفهوم في وجدان المواطن العربي، خاصة الشباب والأطفال منهم! حين نتجاهل أن النيران لا تفرق بين يهودي ومسلم ونصراني، نكون نعلن للعالم جهلنا قبل انسلاخنا عن إنسانيتنا، حين نسارع بإعطاء الحدث صفة دينية على أنه انتقام إلهي ممن منع صوت المآذن في أرض يعاني أهلها الظلم والاحتلال والقتل والأسر والتعديات أكثر من ستين عاما نكون كمن يقول لأمته بأن الله انتقم للمآذن ونسي الأرواح التي قتلت والأنفس التي شردت والأراضي التي سرقت، وجاء انتقامه بعد منع الأذان مباشرة! تعالى الله سبحانه عن ذلك فهو العادل الرحمن الرحيم المنتقم الجبار الذي وعدنا بالنصر حين ننصره ونقف يدا واحدة ضد العدوان ولا نحارب من خلف الشاشات بالكلمات والتشفي والفرح باحتراق أرض عربية ولو كانت مغتصبة وتحت راية كيان غاشم لا يرحم! وماذا بعد أن تخمد النيران كما حدث سابقا عند اشتعال حرائق عام 2010 التي استمرت أيضا عدة أيام، هل نكون انتصرنا؟!
أول الغيث ظهر عندما سارع الكيان ببث شماتة العرب للعالم، ولسوف يستخدمها أفضل استخدام لتحويل الرأي العالمي الذي بدأ يساند القضية الفلسطينية بالمقاطعة خاصة البضائع، وهذه لو تعلمون عملية مؤلمة نظرا للخسائر المالية التي يتعرض لها العدو، وسيسارع أيضا إلى توجيه أصابع الاتهام للعرب في فلسطين على أنهم من قام بإشعال الحرائق ليتمادى فيما أعلنه ويعلنه على أنهم شعب إرهابي لا يستحق التأييد أو المساندة، وفعلا بدأت أصابع الاتهام تصوب نحو الفلسطينيين، بل تم القبض على بعض الشباب، ولسوف يستمر الأمر بعمليات مداهمة وأسر وتلفيق ومحاكمات صورية لتأجيج الوضع في الأراضي المحتلة! فلقد صرح وزير التعليم نفتالي بينيت بأنه "من غير الممكن أن يكون يهود وراء إشعال هذه الحرائق"، وهل يمكن لفلسطيني أن يكون وراء إشعال حرائق تهدد أهله وأرضه وأشجار الزيتون رمز بلاده؟! أليست الغابات والأحراش والمحاصيل التي تحترق غاباته وأحراشه ومحاصيله؟! نعم هُجر آلاف المستوطنين، لكن أليس بجانبهم وحولهم وبينهم فلسطينيين، وهل هم في مأمن من هذه الحرائق؟! نعم الخسارات المادية كبيرة بالنسبة للعدو، لكن هل خسارتهم تساوي خسارة ذرة من الطبيعة التي هي من حق أصحابها الأصليين؟! ونأتي نحن ونشمت! لم أكن أعلم أن أحدا يشمت بقطع يده لأنها تحت قيد معتدٍ! أريد أن أرى فرحتنا حين تحول هذه الأراضي إلى مستوطنات جديدة بعد أن حرقت محاصيلها!
إنها فرصة العدو الذهبية على تكملة مسرحية المسكنة والاضطهاد أمام الرأي العام العالمي، خاصة الإدارة الأميركية الجديدة، وإقناعهم بأنهم ليسوا فقط يعيشون مع شعب إرهابي، بل محاطون بعالم عربي همجي حاقد يهدد وجوده، وبالتالي استمرار الدعم واجب على هذا العالم لكي يستمر ويواجه عنهم حماية مصالحهم فيما يسمونه الشرق الأوسط! ما يهمهم الآن أيضا هو إعادة توجيه الرأي العام المحلي، المعروف بشراسته في المحاسبة، من فشلهم في إدارة الكوارث الداخلية وتركيزهم فقط على التجهيزات الحربية، إلى أن الحرائق ليست سوى عمليات إرهابية، وإشغالهم بذلك، ولن يعجزوا عن إيجاد الأدلة، فهم ملوك الفبركة!
نريد أن نفرح؟ نفرح حين يعود الحق لأهله، نفرح حين يفك أسر المسجد الأقصى، نفرح حين نتوقف عن قتال بعضنا البعض، ونتحد أمام عدو واحد زرع في قلب أمتنا، نفرح حين ننتصر! ومتى ننتصر؟ حين ننصر الله فيما أمرنا، حين نشيد المصانع وتغزو منتجاتنا العالم، حين نتبوأ المراكز الأولى في مجال العلم والطب والهندسة والتكنولوجيا، ننتصر حين نُصدر العلم والعلماء، ننتصر حين ننبذ الجهل والشعوذة، ننتصر حين نُفعّل العقول ونتحرر من التبعيات، ننتصر حين نسترجع أخلاقياتنا ومبادئنا، ننتصر حين نقضي على الفساد الذي ينخر في مجتمعاتنا، ننتصر بإيماننا بأن الله محبة، الله سلام، الله رب العالمين خلقنا وخلقهم وبيده مصيرهم ومصيرنا لا بأيدينا أو بأيديهم، وأن سبحانه طالبنا أن نسعى ونبني وننشر رسالة المحبة والسلام بالحسنى والتآخي والتعايش، ننتصر حين نواجه العدو بوقفة رجل واحد، ولا ندعي الدعم تحت شعارات التشفي والشماتة! ننتصر حين نتحد ضد من يعتدي وينشر الإرهاب تحت شعارات مسمومة!
إن الإسلام دين حضارة وإنسانية، والمؤمن لا يعتدي، لكن حين يُعتدى عليه يواجه حتى ينتصر! فجهادنا اليوم يجب أن يكون على من اعتدى على مقدساتنا واغتصب أرضنا وشرد شعبنا وزور تاريخنا وشوه هويتنا! لنتفكر بكل كلمة قالها يوما الشهيد البطل الملك فيصل، رحمه الله، فلقد دفع حياته ثمنا لها "إن القدس الشريف يناديكم ويستغيثكم أيها الإخوة، لتنقذوه من محنته ومما ابتلي به، فماذا يخيفنا؟ أن نخشى الموت؟ وهل هناك موتة أفضل وأكرم من أن يموت الإنسان مجاهدا في سبيل الله! أيها الإخوة المسلمون نريدها قومة ونهضة إسلامية لا تدخلها قومية ولا عنصرية ولا حزبية، إنما دعوة إسلامية دعوة إلى الجهاد في سبيل الله في سبيل ديننا وعقيدتنا دفاعا عن مقدساتنا وحرماتنا، وأرجو الله -سبحانه وتعالى- أنه إذا كتب لي الموت أن يكتب لي الموت شهيدا في سبيل الله".