واصل الباحث بتاريخ المدينة المنورة والسيرة النبوية عبدالله الشنقيطي، رصده وتعقبه لمواقع الإقطاع النبوي، التي اعتبرها حدودا ومعالم هامة، يجب أن تعاد لها مسمياتها وجغرافيتها الأصلية، حفاظاً على التاريخ والسيرة النبوية باعتبارها مساكن النخب القرشية وأبناء الصحابة والتابعين، حُددت بها معالم المدينة القديمة، وارتبطت بالسيرة النبوية ومسائل فقهية لها صلة بأحكام شرعية وخلافات، والحفاظ عليها من التصحيف والتغير في المسميات والحدود.
أهمية فقهية
قال الشنقيطي لـ"الوطن" أرجو أن أكون وفقت في ما توصلت إليه في بحثي عن مواقع الإقطاع النبوي والوقوف على تلك المعالم والتنقيب عن مسمياتها وحدودها قديماً وحديثاً والرجوع إلى تاريخها في بطون كتب التراث، لنسهم في رسم معالم المدينة القديمة، ورابطها بحاضرنا المعاصر، لا سيما أن عددا من تلك المواقع تعرضت للتصحيف في مسمياتها، ليسهل على الباحثين والمحققين التعرف على أسماء المعالم والمواقع التي وردت في بعضها خلافات فقهية. ومن أهم الإقطاعات النبوية "ذات النصب"، الذي تتجلى أهميته عند الفقهاء في تحديد مسافة قصر الصلاة في السفر، وهي من المسائل التي كثر فيها الخلاف عندهم إلى أكثر من عشرين قولاً حسب ما جاء عند ابن حجر في فتح الباري، ولذلك فإن تحديد مكانها بالضبط مهم تاريخياً وفقهياً.
إقطاع اجتماعي
ذكر الشنقيطي أن المتتبع للإقطاعات في العهد النبوي، يجد أن كل من أُقطِع أرضاً فإن تلك الأرض تقع في بلاد قومه خاصة، ومن ذلك ما أقطع لشيخ قبيلة مزينة وحامل لوائها يوم فتح مكة بلال بن الحارث المزني، ودور الإقطاعات النبوية كإحدى أدوات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وقد أقطع النبي صلى الله عليه وسلم بعض رؤساء القبائل أراضي واسعة، ليقوموا بتوزيعها على أفراد قبائلهم فيزرعوها، أو في تنمية ورعي ماشيتهم.
فقد روى أبوداود والحاكم ومالك في الموطأ وغيرهم من أهل السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم "أقطع بلال بنَ الحارث المزني مَعادن القَبَليَّة جلسِيَّها وغوريَّها، -وفي رواية: جلْسَهَا وغورَها- وحيث يصلح الزرعُ من قدس ولم يُعطِه حق مسلم، وكتب له: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى محمد رسولُ الله بلال بن الحارث، أعطاه مَعادِنَ القبَليَّة جلسيَّها وغورِيَّها -وذات النصُب، وحيث يصلح الزرع مِن قُدس، ولم يُعْطِهِ حقَّ مُسْلم". وكَتَبَ أُبيُّ بن كعب "القَبَلِّية وذات النُصُب".
تعريف الزمخشري
يشمل هذا الإقطاع منطقتين متباعدتين؛ القبلية يعرّفها الزمخشري نقلاً عن شيخه في المواضع الشريف علي بن وهاس فيقول: هي "سراة فيما بين المدينة وينبع فما سال منها إلى ينبع يسمى بالغور، وما سال في أودية المدينة يسمى بالقبلية، وحَدَّها من الشام ما بين الحث، وهو جبل من جبال بني عَرَك من جهينة، وما بين شرف السيالة".
هذا التحديد واضح لا لبس فيه، فهذا الإقطاع يشمل المنطقة الواقعة بين الروحاء من الجنوب، ومن الشمال ملتقى أودية الجزل والعيص وإضم (الحمض)، فهذه السلسلة الجبلية تسمى القبلية.
ويلاحظ هنا أن إقطاع القبلية هو إقطاع ارتفاق ولا يشمل تملك الأرض، لأن القبلية ليست في ديار مزينة بل في بلاد جهينة، بينما إقطاع ذات النصب وقدس إقطاع تملك، لذلك فلا بد أن تكون في بلاد مزينة.
تحوير أسماء الأماكن
ذات النصب أصبحت (النُصبية) بجعل حرف الصفة لاحقة بدلا أن تكون بادئة، وهذا مطرد في كثير من المواضع مثل ذي أمر "المرية" وذات الأثافي "أثيفية"، وأحيانا يبدؤونها (بأم) مثل ذات الأرطى "أم أرطى" وذات كشد "أم كشد" وذات العشر "أم عشر" وهكذا.
بالوصول إلى ذات النصب ومعاينتها تبين أنها عبارة عن واد طوله حوالي (10) كم، يبدأ من جبال خلص الشمالية الغربية ويتجه شرقاً، مع ميل إلى الشمال، حتى يلتقي مع وادي الأثيب أكبر روافده أسفل جبل رباع، ثم يفيض في وادي اللثامة. ويمتاز الوادي بغطاء نباتي جيد ومياه غزيرة، وهو بلا شك كان أكثر نباتاً وأغزر ماءً في القرون الأولى.
أرض عبدالله بن عمر رضي الله عنه
عند التقاء وادي النصبية (ذات النصب) مع وادي الأثيب، أقيم سد يتضح من أسلوب بنائه أنه من القرن الأول أو الثاني الهجري، ويوجد دليل مادي على ذلك؛ فقد نقش على إحدى حجارة السد بحروف غير منقوطة بأسلوب الخط المعهود في القرون الأولى (اللهم اغفر لأحمد بن محمد)، وبالرجوع إلى الزبير بن بكار، نجده يخبرنا أن أحمد بن محمد، أحد أحفاد عبدالله بن عمر رضي الله عنه. كما نجد بجانب السد ركامات حجرية لا شك أنها من ذلك العهد. وهذه المنطقة كانت موئلاً للنخبة من قريش؛ يقول الهجري إن وادي الأثيب القريب من هنا، تنسب إليه مجموعة من الأشراف الحسنيين يعرفون بالأثيبيين، من ولد عبدالله بن محمد بن يحيى بن عبدالله بن حسن (ابن حسن بن علي بن أبي طالب). وهذا الموضع من وادي النصبية يبعد عن المدينة 78 كم، كما حدد الإمام مالك رحمه الله، فإذا أسندت في وادي ريم، ثم صفقت ذات اليسار مع شعيب قاسم، فستنصبّ على ذات النصب.
وهناك طريق آخر يأتي الوادي من أسفله؛ أي يسند في وادي اللثامة وهو بنفس طول الطريق السابق، لكنه قد يكون مغلقاً بسبب السيول الجارفة لضيق الوادي في أسفله.
وهذه النتيجة التي توصلت إليها تدل على مدى دقة علماء المدينة، وعلى رأسهم الإمام مالك، عندما يتعلق الأمر بالسنة النبوية التي يمثلها كبار الصحابة، مثل عبدالله بن عمر رضي الله عنهما.
ما ذكر في الحديث
روى مالك عن نافع عن سالم بن عبدالله، "أن عبدالله بن عمر، ركب إلى ذات النصب فقصر الصلاة في مسيره ذلك، وقال مالك "وبين ذات النصب والمدينة أربعة برد"، وقال أبو عمر "ذكر هذا الحديث أبوبكر بن أبي شيبة، قال حدثنا بن علية عن أيوب عن سالم عن نافع أن ابن عمر خرج إلى أرض له بذات النصب فقصر، وهي ستة عشر فرسخا ( أي أربعة برد)"، وروى مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبدالله عن أبيه، أنه ركب إلى ريم فقصر الصلاة في مسيره ذلك، قال مالك: وذلك نحو من أربعة برد".
موضع ذات النصب
في بلاد مزينة، لأنه باستقراء كل القطائع النبوية يتبين
أنها في أرض قبيلة المقطَع له.
ذات النصب، قرنت مع جبل قدس وهو من جبال مزينة،
ومازال معروفا وينطق (أدقس) وهي لغتهم في القدس.
الطريق إليها يمر مع وادي ريم.
يبعد عن المدينة أربعة برد (48 ميلاً) حوالي 78 كلم بالميل
القصير.
يظهر من النصوص التي أوردها الزبير بن بكار في كتابه
(جمهرة نسب قريش وأخبارها) أن هذا المكان اتخذه
عبدالله بن عمر وذريته من بعده متبدى لهم (يخرجون
إليه للتنزه أو حتى للسكنى فيه)، وجاء برواية تساعدنا
على تحديد الموضع، أوردها البكري في (معجم ما
استعجم)؛ يقول الزبير بن بكار "تزوج عبدالله بن عبدالعزيز
بن عبدالله بن عمر بن الخطاب (شابة)، وسألها أن تصدر
معه إلى باديته، فقالت: أمهلنى حتى يخرج القسم، ثم
أصدر معك، فصدر وكتب إليها:
هل تذكرين وحدتي بريم
و(برماع) الجبل المعلوم
فلو فعلت فعلة العزوم
ولم تقيمي طلب القسوم
دريهمات طمع ولوم
فصدرت إليه ولم تقم.