"مصير العالم الغربي سيتعلق بمصير العالم العربي الذي سبق له أن غير صورته يوماً ما بشكل جذري".

هذه الجملة ليست لمصري ينحب آثار فراعنة مصر، ولا لعراقي يتأمل دخان إحدى معارك الحشد الشعبي في الموصل ويرى فيها "كنز نمرود" يتبخر، ومؤلفات الخوارزمي تتفحم، كما أنها ليست لشامي يتصفح جداول الميقات لـشمس الدين الخليلي التي حلت كل المسائل القياسية الخاصة بالفلك الكروي لخطوط الطول والعرض، ولا لأحد شبان تونس يتعجب لتناقضات المجتمع مع نظريات وأسس ابن خلدون، ولا لخليجي في محاضرة لأستاذه البريطاني الذي يحكي لهم آخر مستجدات وكالة ناسا وبنائها منازل للسكن في المريخ.

إنما هي للمستشرقة الألمانية الدكتورة زيغريد هونكة التي اهتمت بدراسة التاريخ العربي، ثم بعد ذلك وقعت في حبه لتدافع عنه وعن قضاياه بعد اكتشاف هذا التاريخ والتعمق فيه.

على الرغم من أنها ألمانية الأصل والمنشأ إلا أنها اتُهمت بتعصبها للعرب، وطُلب منها التراجع عن أقوالها، لكنها رفضت متمسكة بها. كانت أطروحتها لنيل الدكتوراه في مجال الأدب العربي، صدرت لها عدة مؤلفات عن العرب وتاريخهم وآثارهم ومآثرهم وكان أشهر كتبها (شمس العرب تسطع على الغرب) الذي ذكرت فيه معلومات ومحققات أثارت ضجة كبيرة أثبتتها بأدلة قطعية، وردت فيه على من يحاول أن يجعل الرازي أو ابن سينا الفارسي الأصل؛ فارسي الروح، وترى أنهما من أفراد العائلات التي عاشت منذ أحقاب بين العرب، تعلموا منهم ونهجوا نهجهم حتى أصبحوا منهم.

على خلاف مقالة علي الموسى" لقطة العام الثقافية" المنشورة في الوطن بتاريخ 22-11-2016، دار بيني وبين أحد أساتذة التاريخ الإسلامي في المغرب العربي نقاش امتد على إثره الأخذ والعطاء أسبوعا كاملا، وهو ما أثار قلمي لكتابة هذا المقال. لقد اتضح مدى استيائه، وهو المتخصص والقارئ النهم للتاريخ العربي الإسلامي، من تشكيك علي الموسى في تاريخنا العربي والإسلامي، تحديداً في "الأندلس"، وفي ما بناه العرب من حضارة هناك ما زالت آثارها باقية حتى الآن.

الموسى في تلك المقالة محى تاريخنا الذي نفتخر فيه ولا نملك في حاضرنا سواه! -مع الأسف- ماذا سنقول لأطفالنا غداً؟ عن أي مجد سنتحدث للعالم؟ أتقصد أن ما تعلمناه وما قرأناه هو مجرد تخيلات وخرافات؟ ماذا عن كتب التاريخ التي تجاوزت قرونا تحمل وثائق لتلك الشواهد والآثار؟ ماذا عن اعترافات المؤرخين المستشرقين بتاريخ العرب، وتحديداً في الأندلس!

ليس الموسى وحده من يشكك في التاريخ العربي، الكثير ممن لم يقرؤوا التاريخ، فُتحت عيونهم على الثورة الصناعية والتقدم التكنولوجي وما وصلت إليه أوروبا وأميركا، في مقابل خمول العرب وتأخرهم إن صح التعبير، مما ولد لديهم عقدة نقص قوية، فبدؤوا بالتشكيك في تاريخهم، وأعطوا شعور الفوقية للآخرين عليهم، وهذا يزيدنا تأخرا ولا يقدمنا. وفي المقابل جماعة وصلت إلى حالة المُفلِس الذي لا يَكُف عن الحديث عن ثروة جده الهائلة في حين هو لا يملك شَروَى نَقير. المجد صفة مكتسبة وليست موروثة هذا إن أراد الشخص مجداً.

أنا لا أشكك في تاريخنا أبداً، لأن الآثار ومصادر التاريخ وحدها خير شاهد عيان، بالإضافة إلى أبحاث ودراسات المستشرقين أمثال (زيغريد هونكه) عن تاريخنا وإعجابهم به، ولو أننا تعاملنا معه كما تعامل القوط الغربيون مع تراثهم وحافظنا عليه لكان تاريخا ثريا وحاضراً مزدهرا، لو أننا لم نكتف بالتفاخر بأمجاد أجدادنا مع التناحر عليها.. لكن شمسنا سطعت ثم بهت نورها.