في شهر ربيع الأول تهبُّ رياح حب رسولِ اللهِ، صلى الله عليه وسلم؛ وإيمانٌ به صلوات ربي وسلامه عليه، دون حبه لا يفيد، ومن لم يُشرِب قلبه بمعاني حبه عليه الصلاة والسلام، لم يستفد شيئاً من الإيمانِ بنبوّتهِ صلى الله عليه وسلم.. اليوم وأمس وغدا؛ لا يوجد قانون يسمو على قانون الحب، ومنطقُ الحبِّ فوقَ كلِّ منطق، وقانونهُ لا يسمو عليهِ أيُّ قانون، وسلطته لا يمكن أن يسكتها أيُّ منطق، كما لا يمكن أن يقال لمن تصرف بدافع من حبه: "هذا جائزٌ، وذاكَ غيرُ جائز"، ويكفيني في إثبات هذا مثالُ اعتناق سيدنا سواد بن غزية، رضي اللهُ عنه، يوم (بدر)، رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وتقبيله لبطنه، وعدم إنكاره، صلى الله عليه وسلم، لما قام به، بل لم يزد على أن سأله: "ما حملكَ على هذا يا سواد؟"، وعندها أجابه قائلا، وبدون تردد: يا رسول الله: حَضَر ما ترى، فأردت أن يكون آخر العهد بك، أن يمس جلدي جلدك، فدعا له بخير"، ومراجع القصة كثيرة، وغير مشكوك فيها.

في هذا الشهر نرى في محبي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من تفوح حول قلوبهم، رائحة ذكرى ولادة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وبعضهم قد يندفع إلى ما يندفع إليه، من دروس، أو محاضرات، أو نحو ذلك مما لا يعارض الشرع الحنيف، وعلينا أن نحسن الظن بهم، وأن ننحي جانبا الكلمات الشهيرة من مثل: "أين الدّليل؟"، و"ما المشروعية؟"؛ فهذه الكلمات تعني أن من يرددها قد حصر نفسه في عالم العقل، وترك واجب وزن العقل مع العاطفة، بالرغم من أننا قد اتفقنا في البداية، على أن قانون الحب لا يسمو عليه أي قانون..

أنا لا أسأم من أن أردد أنَّ من يحتفي بذكرى مولدِ سيدنا رسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وسلّم، معتقداً أنَّ ذلكَ ثابتٌ بنصٍّ من كتابِ اللهِ، أو نَصٍّ من سنّةِ رسولِ الله، صلى الله عليه وسلم، أو أنّهُ ثابتٌ بإجماع؛ قد أخطأَ وابتدعَ، أمّا إن اندفعَ إلى ذلك بدافعٍ من حب صادق، ونية طيبة، فلا أظن أنه سيحرم من الأجر، مثله في ذلك مثل مختلف الأنشطة الاجتماعية، التي تنفق عليها الأموال السخية، بلا دليل على جوازها؛ إلا أنها نشاطاتٌ اجتماعيّة، يبتغي القائمون من ورائها الخير، ومؤكد أنه لا يخالف في هذه أو تلك إلا إنسانٌ قد فرغَ قلبهُ من كوامن الحبّ، وأظن أن مثل هذا الإنسانِ، حري بنا تجنب مناقشته، إلا بعد ضمان بناء جسور متينة من الحب المشترك.