"أ"

(هذا أنا: صيادٌ على بحيرة الأرق.. شبكتي مجازي، ومزاجي سمكة عائمة، والشّعر كائن يولد فجأة داخلي ويختفي في الحبر على مهل وكأنه مزاجٌ في هيأة مجاز).

.. بعد سبعة دواوين وبعد سبع سنوات من الغياب عن الإصدار، يعود الشاعر جاسم الصحيّح إلى ساحة النشر بديوانه الثامن "ما وراء حنجرة المغني" المسكوب في ثلاثين قصيدة، وقد شاء الشاعر ألا يعبر القارئ إلى ماء القصائد مباشرة، فوضعَ له قنطرة نثريّة - تتألّف من عشرة مقاطع مشدودة الأوصال مترابطة المعاني - سمّاها "مزاج في هيأة مجاز" مدّدها على أربع عشرة صفحة؛ تقول الشاعر في وحدته وحاجته إلى القصيدة التي يتكثّف فيها المعنى والعالم وينجو بها من الفراغ بما يفوق الحاجة إلى الضرورة.. إلى الخلاص الذي تهبه القصيدة لمنشئها؛ الملاذ الذي تصنعه اللحظة الإبداعية وتوسّع حدوده خلف المادة وما وراء المحسوب ظفراً بالانسجام والتوازن في حياةٍ يفدح بها الخلل والتنافر.

في هذه المقدمة يبسط جاسم الصحيّح أوراق مختبره وأحماضه. الكيفيّة التي يحضّر فيها ترياقه من داء العالم وتباريح الحياة المسننة بالأرق وبالذكريات. يتوقف عند عتبة البدء وقتَ الكشف والانخطاف إلى لجّة الشعر مباهياً بغرقه وعريه وضفّةٍ هي غير الضفاف، يصغي إلى نمو القصيدة في أحشائه. كأنما العالم الأول يلقي إليه بأسراره وحكاياته، ألم يقل أحد المبدعين (ما من أحد - غير الشعراء - يسمع صوتَ البدايات). هناك لا يأبه الشاعر بعريه، بل إنه يخلع حياته بكاملها ويعلّقها "على غصنٍ في القصيدة" في فعلٍ صوفيٍّ من التخلي والتحلي يمسك بزمامه الشعر ولا شيء غير الشعر.

الحياة البديلة.. العالم المكافئ، هو ما تقوم به القصيدة وما ينجزه الشعر. نظرَ جاسم الصحيّح إلى حياته فوجد أنها هنيهاتٌ متتابعة من الموت والدودُ يسعى ينخر رأس سنواته المطمورة في رتابة العمل اليومي، بما يفاقم الوحشة ويجعل الصدأ يتسرّب إلى داخله. هنا معول ومسحاة يجرفان أرضه من جديد ويعيدان الحرث. لكن أرض الداخل ليست وحدها المتأكّلة بالصدأ والجفاف، ثمّة فضاء آخر يسوّره، هو أيضا صورة للموت، وقد عاينها الشاعر بتركيز وتقصّد يؤكّد به نفوره حين وازى أحوال الناس ومصائرهم بحاوية القمامة، محمولين صوب النهايات: (حيث القبور سلال المهملات الأبديّة وحيث الأجساد فضلات هذه الدنيا).

إن التأمل في مجرى الحياة الشخصية وفي الحياة العامة المُقادة إلى شرك الوحشة والموت، هو يدفع الشاعر دفعاً إلى "حياة القصيدة"؛ يقينه الوحيد وفسحته المستأنفة، يرفع فيها شعلة الدم من قعر الهاوية.

"ي"

(لذلك، كان لا بدّ من القصيدة.. كان لا بدّ من سلّة أجمع فيها عظام حقيقتي قبل أن تبعثرها الريح. وهذا ما ألهمَ قلبي ألا يتوبَ من الأمل إذْ أراه أحيانا ينطّ من تحت كثبان الخيبات ويسطع مثلما تسطع ماسةُ اليقين).