أتقدم بالتهنئة الخالصة للعامل البنجلاديشي الذي نجح في استدرار عاطفة الشعب الطيب، ونجح في مهمته بشكل يفوق توقعاته!

كان، كعادة بني جلدته، يدرك حجم عاطفة المتسوقين الذين يمرون بجواره في "المول"، فنجح في الوصول إلى المول، وما وراء المول؛ بسبب صورة التقطتها له فتاة مراهقة فيما يبدو، ومهرتها بتعليق بذيء؛ أسهم في زيادة التفاعل الكيميائي في طبيعة الشعب!

ليس الأمر شاقا.. قم بتشغيل جزء بسيط من عقلك، هذا الشعب الكريم لا يحتاج لمجهود كبير لإيقاظ عاطفته، ثق أنك ستحصد الذهب وغير الذهب!

كأني أسمع هذه اللحظة ضحكة شريرة تأتي من أحد ممرات المول: "وإني وإن كنت الأخير زمانه.. لآتٍ بما لم تستطعه الأوائل"!

تحارب الحكومة "التسول" وتكشف ممارساته، لكن المجتمع يعيد دون عمد صناعته بأسلوب مختلف، وطريقة نظامية! هل وجدتم مجتمعا يتكاتف لصناعة المتسولين النظاميين ويشجع انتشارهم مثلنا؟!

ولأني من نسيج هذا الشعب الذي يقطر طيبة وحنانا أدرك أن هناك من سيقول: "وش درّاك.. أنت تعلم نية الناس"!

أدرك يقينا أن هذه الأساليب الاحترافية التي يمتهنها كثير من عمال النظافة -من جنسية واحدة- هي التي حولتهم إلى متسولين يتوزعون إشارات المرور بينهم! ويتقاسمون المسارات في المنافذ البرية، ويوزعون نظراتهم الحزينة بين السيارات في أداء تمثيلي مبهر!

بل هي التي حولتهم لمتسولين خطرين يحصدون دخلا هائلا حينما يجوبون ساحات الحرم بخطوات مثقلة، مستغلين الطاقة الروحانية الهائلة التي يمتلئ بها المكان!

نعم ما قام به المتبرعون سلوكيات طيبة؛ لكنها لا تقدم ولا تؤخر شيئا في حياة آلاف العمال الآخرين.. ناهيك أن هذا العامل إن نجح مرة فقد لا ينجح مرة أخرى، وعي الناس يزداد يوما تلو آخر، وما ينطلي عليهم اليوم لن ينطلي عليهم غدا!

كثير من الوافدين الشرفاء لا يريدون كل هذه العاطفة.. هؤلاء يريدون أن تحترموا آدميتهم فقط.. لا تحقروهم، لا تهينوهم، لا تحطوا من قدرهم.. يريدون منكم أن تعطوهم رواتبهم أولاً بأول.. يريدون منكم أن توفروا لهم سكنا يليق بآدميتهم.. يريدون منكم ألا تبخسوهم حقوقهم.. لا أكثر ولا أقل!