أعلنت وزارة الصحة عن البدء في استقبال طلبات موظفيها في مشروع (المتسوق الخفي). حسب الخبر سيقوم هذا العميل أو (المتسوق)، حسب التسمية المقترحة، بزيارة المنشآت والقطاعات الصحية التابعة للوزارة، وذلك للتعرف على الوضع الراهن وتقييم مستوى الأداء، وتقديم تقرير شامل بعد الزيارة بمدة تتراوح بين 24 و48 ساعة.
الخبر جميل والتقنية بحد ذاتها جميلة وتعزز أداء المؤسسات، ولكن هل تحتاج الوزارة فعلا لمتسوق أو عميل خفي من منسوبيها ليخبرها أن الثقوب تتزايد في ردائها الجميل؟ لنأخذ على سبيل المثال لا الحصر الشكاوى المتكررة من نزلاء مستشفى النقاهة في العاصمة الرياض الذي لا يبعد أكثر من ساعة عن مبنى الوزارة في العاصمة الرياض، حسب خرائط Google! ينقل نزلاء هذا المستشفى وزوارهم بالصوت والصورة مواقف شبه يومية مؤلمة إنسانيا وصحيا، جعلتهم عالقين بين مطرقة العجز عن خدمة أنفسهم، وسندان غياب أو تواضع الخدمات المقدمة لهم في هذا المستشفى. رأينا على سبيل المثال نزلاء على الأرض في غرف الانتظار، وقططا ضالة تتناول الوجبات من أطباق المرضى، وعمال نظافة يؤدون مهام الممرضين، وممرات غارقة بالمياه يتحرك فيها إخوة لنا على مقاعد متحركة أو بمساند للمشي، كل هذه المؤشرات يقدمها مستفيدون حقيقيون من الخدمة بلا مقابل، ويأتيك بالأخبار منهم من لم تزوّد. ما يحدث في هذا المستشفى هو مجرد مثال لما يحدث في أروقة المراكز الصحية، كما تتواتر الأخبار عمّا يحدث في غيره من مستشفيات أو مراكز غسيل كلى أو بنوك التبرع بالدم وغيرها، وليست حرائق مستشفيات جازان المتكررة منا ببعيد.
إن النقاهة في اللغة هي استعادة الصحة والعافية تدريجيا بعد المرض، وتطول مدتها أو تقصر حسب الرعاية، لكن يبدو أن هذا المعنى غائب أو مفقود، حسبما ينقل لنا مراجعو مستشفيات الصحة ومستشفياتها المغلوبون على أمرهم.
حقيقة لا أدري لماذا تستنزف الوزارة ميزانيتها بمتسوقين سريين مع كل هذه التقارير اللحظية والتوثيق بالصوت والصورة التي ينشرها هؤلاء المرضى وذووهم؟ فليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل كما يقول المتنبي!
خلال رئاسة تشرشل لمجلس الوزراء البريطاني تعرضت لندن لموجة دخان عظيمة لفّت المدينة بالكامل وانعدمت معها الرؤية تقريبا. استمر تشرشل في تهدئة الشعب وطمأنتهم بأن ما يحدث هو مجرد ضباب، والضباب لابد أن ينقشع، وحاول إشغال المجلس والعامة بقضايا أخرى يراها أكثر أهمية من "الضباب" حسب رأيه.. لم يصحُ تشرشل من حالة الإنكار هذه حتى اصطدم أحد باصات لندن بمساعدته الشابة عندما كانت تغادر إحدى غرف الطوارئ المكتظة بالبريطانيين غير القادرين على التنفس بخطوات متسارعة وبالٍ مشغول لتبلغه بسوء الوضع وتقنعه بإيجاد حلول لأن القرار بيده لكن حلّ الأجل! عندما وصل خبر مقتلها لتشرشل ترك ملفاته وتقاريره على المكتب واتكأ على عصاه منطلقا لثلاجة الموتى ليلقي عليها نظرة أخيرة، فصُدمت عيناه بحقيقة غرف الطوارئ والمرضى الذين تغص بهم الحجرات بلا رعاية، هذه الحقيقة التي كان يحاول جاهدا ألا يراها. في تلك اللحظة وبنصيحة ذكية من مستشاره أعلن تشرشل من المستشفى عن الخطة التي أنقذته من نزع الثقة بتقديمه دعما غير محدود للمؤسسات الصحية لتخطي هذا الظرف غير الاعتيادي.
كل ما يتطلبه الأمر من قيادات الصحة هو أن يتصرفوا كتشرشل لكن قبل أن يتفاقم الضرر! لتبقَ الملفات غير الطارئة على المكاتب وليخرج القادة للمهام الميدانية كما طلب منهم معالي الوزير د. الربيعة.
إن كل ما يتطلبه الأمر منا أحيانا هو أن نفتح أعيننا ونستقبل الحقائق أيا كان مصدرها ونقرأ مؤشراتها ثم نواجه تبعاتها بشجاعة، فلن يتغير أي شيء ما لم نبدأ بتغييره بأنفسنا كما أثبتت لنا تجارب الحياة.