أضحت بعض العبارات المشاعة بين الناس اليوم، كأنها آيات منزلة من فوق سبع سموات، أو قالها سيد البشر صلى الله عليه وسلم ؛ ومن هذه العبارات قول: "النية محلها القلب، والتلفظ بها بدعة".. أتفهم قول الحريصين على تصحيح عبادات غيرهم، مع أن ذلك ليس لهم، ومر علي قول قيم للإمام ابن القيم، في كتابه: "زاد المعاد في هدي خير العباد"، نصه: كان صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة ولم يقل شيئا ،« الله أكبر » : قال قبلها، ولا تلفظ بالنية البتة، ولا قال: أصلي لله صلاة كذا مستقبل القبلة أربع ركعات إماما أو مأموما، ولا قال: أداء ولا قضاء، ولا فرض الوقت، وهذه عشر بدع لم ينقل عنه أحد قط بإسناد صحيح ولا ضعيف ولا مسند ولا مرسل لفظة واحدة منها البتة، بل ولا عن أحد من أصحابه، ولا استحسنه أحد من التابعين، ولا الأئمة الأربعة، وإنما غر بعض المتأخرين قول الشافعي رضي الله عنه في الصلاة: إنها ليست كالصيام، ولا يدخل فيها أحد إلا بذكر، فظن أن الذكر تلفظ المصلي بالنية، وإنما أراد الشافعي بالذكر: تكبيرة الإحرام ليس إلا، وكيف يستحب أمرا لم يفعله صلى الله عليه وسلم في صلاة واحدة، ولا أحد من خلفائه وأصحابه، وهذا هديهم وسيرتهم، فإن أوجدنا أحد حرفا واحدا عنهم في ذلك، قبلناه، وقابلناه بالتسليم والقبول، ولا هدي أكمل من هديهم، ولا سنة إلا ما تلقوه عنه صلى الله عليه وسلم، وكان الله » : دأبه في إحرامه لفظة لا غيرها، ولم ينقل أحد « أكبر عنه سواها"؛ وبطبيعة الحراك العلمي والفقهي الجميل، كان لغير من هم على مدرسة الشيخ ابن القيم وغيره آراء مختلفة، ومؤكد أن الحكم ب(البدعية) ليس مسلما لأحد؛ وإلا رمينا كلام من نحسبهم من الأفذاذ أيضا.. الفصل في التلفظ بالنية ليس لأحد، ويمكن لمن أصر على التبديع أن يجمع الناس، ويقول الاعتماد في النية هو للقلب، والنطق باللسان لا يعد نية، بل هو مساعد للقلب على التنبه، وأن خطأ اللسان، كما قال ساداتنا الشافعية والحنابلة، لا يضر ما دامت نية القلب صحيحة، ويمكن أن يضيف فيقول ما قاله سادتنا الحنفية من أن التلفظ بالنية بدعة، ويستحسن لدفع الوسوسة، أو ما قاله ساداتنا المالكية من أن التلفظ بالنية في الصلاة خلاف الأولى لغير الموسوس، ويندب للموسوس؛ وأتمنى أخيرا أن نترك للناس شؤون التصرف في عباداتهم؛ طالما اتبعوا من يوثق بعلمه، وأن نثق في أن العلم نور، ونوره يسع الجميع.