الجوائز مفرحة ومهمة، لكنها بالمقابل مكلفة وثمنها مختلف، لكن ثقافتها مغيبة تماما عن وعي الشوارع العربية، وحتى نجني جوائز تغيير فكر المجتمعات العربية، يلزمنا الكثير من العمل الجاد على أصعدة كثيرة، لنستطيع ولو قليلا، فك الجمود الذي لازم الفكرة والفكر الأحادي له عبر قرون، وكسر الطوق عن رؤيته للحياة من خلال نمط أحادي على مستوى التفكير والخطاب اليومي للشارع، هذا الذي اختلطت عليه مفاهيم الحياة وتغييرات واحتياجات الزمن، وأضاع جهده في الركض خلف العبارات والشعارات الغائرة في الأمنيات والتفكير في الغيبيات والماضويات على اختلافها، أكثر من إعماله التفكير في حاضره لاستشراف مستقبله.
تبدو الصورة واضحة بالنسبة لتوجهات الفكر المتخلف في الشوارع العربية، ووقوعها تحت سيطرة موجهين انتهازيين، ليس لديهم أدنى استعداد للتنازل عن أنملة مما يعتقدون أنه مكتسبات خاصة، جعلتهم يعتقدون بأهليتهم للقيادة في أشكالها وأنماطها واتجاهاتها الفكرية المختلفة، سياسية ودينية واقتصادية وعلمية وثقافية، إلا أننا في الوطن العربي لا نملك سوى نمطين فكريين للقيادة لا ثالث لهما، تمثلهما القيادات السياسية الدكتاتورية والدينية في شكلها التاريخي، - باستثناء لبعض الدول التي باتت تغرد خارج السرب من خلال الإصلاحات التي تقوم بها بجدية-، وهما نمطان تسلطيان إذا ما وقعا تحت سيطرة مستبد أو انتهازي، اعتدنا على رؤيتهما عبر التاريخ الإنساني، وأكدت نتائجهما الدموية الكارثية أمميا واجتماعيا قبحهما، وكانت نهاياتها مأساوية ومروعة. وعلى الرغم من ذلك، يصر هؤلاء الأحاديون الانتهازيون، على التعامل مع الواقع بصيغ الماضي ورتابته، وما يساعدهم على ذلك هو استسلام المجتمعات العربية لهذا النموذج المستند إلى قوة تاريخية ضاغطة على الوجدان الاجتماعي وعواطفه، أكثر من تأثيرها على العقل، ذلك النائم الذي لا تريد له الاستيقاظ مطلقا، لأنه سيقلب الطاولة رأسا على عقب على كل أحلامهم ومشاريعهم السلطوية.
لكن الشوارع العربية لا يبدو أن لديها الرغبة الكاملة بعد، في الحصول على الجوائز التي تحتاج إلى مجهودات وتكلفة من أي نوع، وتفضل على ذلك الحصول على الهبات والمكرمات والمنح، ولا ترغب في تحويل مسارها الفكري والاجتماعي والعلمي بما يوازي نصف أحلام المستقبل على الأقل.
وأظنها تفضل الحلول التي تأتي على شكل (فرض) إصلاحات في أشكالها المختلفة -وإن اختلفنا على ماهيتها ومدى الحاجة إليها- داخل المجتمعات العربية، بدلا من تركها تتحرك برتابة مملة، تحدد توجهاتها جماعات الفكر الراديكالي، التي لم تقدم شيئا غير التخلف والتراجع الفكري، فالمجتمعات العربية لا تبدو في الوقت الراهن قادرة على صنع التغيير من داخلها على مستوى الأفراد، وتشعر بحاجتها الدائمة إلى التوجيه المستمر لما عليها فعله، والكيفية التي يتم بها ذلك الفعل، لأن الفكر العربي في أصله ليس فكرا ثقافيا تنمويا واقعيا مؤثرا على الفرد قبل المجتمع، وهذا جزء من ثقافة تاريخية طويلة، يصعب في الواقع شرحها كمفهوم فكري بمعزل عن العودة إلى جذوره التاريخية، لأن الفكر العربي شمولي وغير واقعي، ويرزح تحت سيطرة العواطف، وتبدو مسؤولية القيادات السياسية المعتدلة على هذا الجانب أكثر من المسؤولية الثقافية في الوقت الراهن على الأقل، للقيام بمهام التغيير، القائم على سن القوانين الإصلاحية وفرضها داخل مجتمعاتنا العربية المتخلفة في نظمها وأنظمتها الاقتصادية والسياسية وحتى الثقافية، التي راهنت على المثقف الذي خذلها كثيرا ولا يزال، خاصة بافتقاده للتركيز على مفاهيم الثقافة الأربعة، الفكر والدين والعلاقات الإنسانية والعناصر المادية.
والواضح بموازاة ذلك، أن مشاريع الفكر والتعليم التربوي العربي لم تنجح أيضا في نقل التفكير إلى مراحل الاستفسار والاستفهام في كيف ولماذا وإلى متى وأين، وهي النقاط الجوهرية المسؤولة عن تكوين ثقافات التنموية اجتماعيا وفكريا واقتصاديا، يمكن لها أن تقلب موازين الحاضر والمستقبل للأمة، وهذا العجز هو نتيجة حتمية لمشاريع السيطرة السياسية ذات الحس الأمني، ونموذج الدولة الثيوقراطية العتيقة، التي سقطت تاريخيا في تقديم منجز حضاري لأممها.