من أهم القواعد الشرعية التي لا تخفى، أو التي ينبغي ألا نخفيها على الأذهان قاعدة شهيرة نصها: "لا يُنكَر المختلف فيه؛ وإنما يُنكر المجمع عليه"، وتترجمها صيغ أخرى مثل: "لا إنكار في مسائل الاجتهاد"، و"الإنكار لا يلزم في محل الاجتهاد، إذا كان الاختلاف في الفروع"، و"لا إنكار في مسائل الاجتهاد، إلا إذا ضعف الخلاف"، و"لا إنكار في مسائل الخلاف"، و"لا نكير في مختلف فيه"..
نسمع هذه القواعد التي تعب في تأصيلها من سبقنا، ولكنا مع كل أسف لا نلتزم بها، وبعضنا يحاول أن يغوص في مفرداتها، حتى يكاد يخرجها عن جوهرها؛ فنراه مثلا يفرق بين (الاختلاف)، و(الاجتهاد)، ليثبت ما يراه من أن الإنكار ضرورة، وأن الإنكار حياة، وأن الإنكار علامة على كمال دين صاحبه؛ مع أن المسائل الاجتهادية، التي لا يوجد دليل مباشر على وجوبها أو تحريمها؛ لا يوجد شك في أن الخلاف فيها سائغ ومقبول، وأننا إن فشلنا في تنظيم اختلافات الاجتهادات لن تستقيم أمورنا، وفي نفس الوقت لا يوجد مانع من التباحث، والحوار، والمجادلة بالحسنى في التباينات..
يقول الشيخ ابن تيمية، رحمه الله، في الفتاوى: "إِنَّ الِاعْتِصَامَ بِالْجَمَاعَةِ وَالِائْتِلَافَ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ، وَالْفَرْعُ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ مِنْ الْفُرُوعِ الْخَفِيَّةِ، فَكَيْفَ يُقْدَحُ فِي الْأَصْلِ بِحِفْظِ الْفَرْع!؟"؛ ومنه، ومن غيره نفهم أن المسائل الفرعية الخلافية كثيرة جدا، ونفهم أن الفرقة تتجذر في عدم قبول اختلاف وجهات النظر حولها، ونفهم كذلك أن الدين لا يضر بسلامته أبدا أن يقول عالم معتبر بجواز مسألة، ويتحفظ عالم معتبر آخر على رأيه..
ما من شك في أن الإنكار على الناس في مسائل الخلاف الفرعية يعد من التضييق عليهم في حياتهم، ولا يخالجني التردد في أن أي إنكار على الناس في اجتهاداتهم يعد أيضا من أفضل الوسائل لإيقاعهم في الحرج، وأنه أسرع شيء لإخراجهم من دائرة سعة الدين، ورحمته بالمخلوقات؛ ولقد تقرر سلفا بين العلماء أنه إنما يُنكر المتفق عليه، ولا ينكر المختلف فيه، فلو خالف أحدنا في مسألة اتفق (كل) العلماء على نقيضها جاز حينئذ الإنكار، وأختم بمثال تقليدي عن هذه المسألة، وهي مسألة صلاة تحية المسجد، والخطيب يخطب الجمعة؛ فمن كان شافعيا أو حنبليا صلى ولا غبار على فعله، ومن كان حنفيا أو مالكيا جلس وأنصت، ولا يصح الإنكار في هذه المسألة، حتى لو قلنا إن النص يدعم الرأي القائل بعدم الصلاة: "اجلس فقد آذيت وآنيت"، وليس بآخر الأمثلة ما ضجت آذاننا منه؛ عن اللائق في التعامل مع الذكريات والمناسبات العامة، والدينية بشكل خاص.