قال أهل العلم قديما: العلم ثلاثة أشبار، من دخل في الشبر الأول تكبر، ومن دخل في الشبر الثاني تواضع، ومن دخل في الشبر الثالث علم أنه لا يعلم.

وواقع بعض الناس أنه لم يخرج  إلى الشبر الثاني، فضلا عن الثالث، وإنما بقي في الشبر الأول، أو المربع الأول، ولم يخرج منه إلا إلى "التنمر في العلم" كما يقول الشيخ بكر أبو زيد -رحمه الله- وهو ما يتسلى به المفلسون من العلم، يُراجع مسألة أو مسألتين، فإذا كان في مجلس فيه من يُشار إليه، أثار البحث فيهما، ليظهر علمه! وكم في هذا من سوءة، أقلها أن يعلم أن الناس يعلمون حقيقته.

وهؤلاء المتعالمون بالغوا قبل أن يبلغوا، فأحدثوا صخبا وضجيجا، وشرا وفتنا، هجموا على النصوص الشرعية، فاستدلوا بها على غير ما تدل عليه، وأحسنوا الظن بأنفسهم وأساؤوه بغيرهم، كُلَّما مَرَّ أحدهم على ملأ من المسلمين الذين يختلفون معه -وقد يكونون خيرا منه- وصفهم بأبشع الأوصاف، وشوّه صورهم بكل ما يستطيع.

هذه مخرجات من أصابه الغرور والعُجْب، ويظهر لي أن المجتمع أحيانا يُسهم في إيجاد هذه النماذج المزعجة، فبمجرد أن يَدَعَ  بعض الشباب ما كان عليه من فسوق وعصيان، ويتوجه إلى الاستقامة، يتم منحه أوصافَ المشيخة، ويُصدَّر في المجالس، وتُوجَه له الاستفتاءات، وما كان ينبغي لهم ذلك، لأنهم يسيئون إليه بهذا المدح الكاذب، والتصدير غير المستحق، فيتوهم أنه شيخ الإسلام، وأنه يحمل هَمّ الإسلام وحده، وبالتالي يسيئون إلى المجتمع الذي يدفع ثمن اندفاعه وتخبطه، بينما العلماء الراسخون لا يفعلون ذلك مع طلابهم، وإنما يربونهم على التواضع، وعدم الإعجاب، لا سيما عندما تستشرف النفس لفوقيةٍ، وحبِ ظهور، وكانوا يقولون: "حب الظهور يقصم الظهور"، وإذا رأوا انتفاخا من أحد طلابهم قمعوه ليلصق إلى الأرض، ومن لم يستجب، لم يكن منهم، وإن درس عليهم، ونسب نفسه إليهم، لأن من أبرز صفات طالب العلم ما ذكره العلماء من التحلي بـ"رونق العلم" وهو حسن السمت، والهدي الصالح، من دوام السكينة والوقار والخشوع والتواضع، ولزوم المحجة بعمارة الظاهر والباطن.

قال ابن سيرين رحمه الله: كانوا يتعلمون الهدي كما يتعلمون العلم.

وفي قصه ابن عباس "رضي الله عنهما" التي ذكرها ابن أبي شيبة في المصنف دليلٌ على تأديب العلماء لمن يتحدث في العلم بجهل وعُجْب، فعن طاووس قال: ذُكِرت الأمراء، فوقع فيهم رجل، فتطاول حتى ما أرى في البيت أطول منه، فقال ابن عباس: "لا تجعل نفسك فتنة للقوم الظالمين"، فتقاصر حتى ما أرى في البيت أقصر منه، وكذلك في رحلة الإمام أحمد ويحي بن معين وأحمد الرمادي أنموذجٌ على ذلك، فقد سأل أحمد بن منصور الرمادي أبا معين أسئلة، فلما لاحظ العالم أبو معين تجاوز الرمادي، وأنه يسأل للاختبار، رفسه برجله، ودخل داره وتركه، فقال الإمام أحمد: ألم أقل لك إنه ثبتٌ، فقال: والله لرفسته أحب إلي من سَفْرتي.

والمقصود: أن التعامل بالوسطية مع كل أحد بما فيهم الشاب المُتجه للعلم والاستقامة، هو المطلوب، إن وقع بذنبٍ أو خطأ أو معصيةٍ، فهو كغيره من الناس، ليس بمعصوم، يُنصح ويُوجه إلى الخير، ولا يُعان الشيطان عليه، ولا يُتشمَّت به، وإن استقام وقدم إلى مجلس من مجالس الناس فهو كغيره من المسلمين، يجلس حيث ينتهي به المجلس، ويُنادى باسمه كغيره من الناس، فلا إفراط ولا تفريط .

وقد كان العلماء الراسخون لا يحبون أن يمدحهم أحد -مع استحقاقهم وجدارتهم- وقد سمعت الشيخ ابن باز -رحمه الله- يعاتب من مدحه، ويقول له: سيسألك الله عن هذا، ثم يحلف بالله ويُشهد الحاضرين أنه لا يحب أن يمدحه أحد، ثم يستعرض -رحمه الله- تقصيره في الواجب عليه، ويقول: إن ما قدّم قليل في حق ما يجب عليه لله ولدينه وعباده، ويسأل الله المسامحة.

وشيخنا ابن عثيمين -رحمه الله- لما  ذكر المُقدّم: أنه من كبار العلماء، أسكته، وذلك أنهم يخافون على أنفسهم العُجب والرياء، ويعرفون عظم حق الله، وأن الإنسان مهما فعل من الخير، فهو لا شيء إن لم يتغمده الله برحمته، ولذلك طلبوا العلم لله، لا ليماروا به السفهاء، ولا ليباهوا به العلماء، فنفع الله بهم البلاد والعباد.

وفي نظري أن المجتمع بحاجة إلى قدواتِ خيرٍ، يؤثرون الآخرة على الدنيا عن علم وبصيرة وتفاعل مع المجتمع، لا عن جهل ودروشة وانقطاع عن المجتمع، أما من آثر الدنيا من أهل العلم واستحبها -كما يقول ابن القيم- فلا بدَّ أن يقول على الله غيرَ الحقِّ؛ في فتواه وحكمِه، وفي خبرِه وإلزامِه؛ لأن أحكام الربِّ سبحانه كثيرا ما تأتي على خلاف أغراض الناس.