من المفترض أن أخصص هذه الفسحة الأسبوعية لاقتراحات ونصائح في النجاح والتفوق والإنجاز والتفاؤل، لكنّي فجعت مثل أغلبكم باستشهاد بعض أبنائنا وبناتنا ضمن الـ39 الآخرين في تفجير إسطنبول، رحمهم الله جميعا، وأسكنهم فسيح جناته، وألهم ذويهم الصبر والسلوان.

ولأن المصائب لا تأتي فرادى، فقد أظهرت لنا هذه المصيبة مصائب بشرية أخرى تعيش بيننا.

هذه الكائنات لا ترى بأسا في الوقوف بين العبد وربه، وتتجرأ على إطلاق الأحكام على العباد، فهذا في الجنة وهذا في النار. يزكّي أحدهم نفسه حتى تظن أنه قد شهد بدرا وقيل له: "اعمل ما شئت فقد غفر الله لك".

لم يستوعب البعض على ما يبدو حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المسلم من سلم الناس من لسانه ويده"، فلم نكد نسمع الخبر حتى انقسمت الأقوال حول مكان الحادثة، وارتفعت بعض الأصوات متسائلة عن سبب وجود الضحايا، وكثير من الأسئلة التي يفترض أن يجيب العاقل نفسه عنها بنفسه قائلا: "هذا ليس من شأني".

لا أعلم في أي منعطف من منعطفات الحياة خسرت هذه الكائنات الشامتة إنسانيتها، وتجردت من التعاطف والرحمة؟

أنشب أحدهم أظفاره الحادة في أجساد الضحايا التي لم تبرد بعد، وبدأ في تشويه ما يناله منهم، دون وازع من دين أو خلق أو إنسانية.

لم يفكر الشامت مثلا في مشاعر أسرهم وأحبابهم، وبدأ يلوّث صفحته بالحديث في إخوة وأخوات له لم يلتقِ حتى بهم، بل استنتج بخياله الواسع أنهم على خطأ.

تفيض الروح بالأسئلة في مثل هذه المواقف؛ فعلى سبيل المثال: ألا يخشى من يظهر الشماتة بالضحايا من دعوة والد مكلوم؟ ألا يخاف من يقع في أعراض البشر من العدالة الإلهية؟ ثم أليس في الأحياء القادرين على الرد عن أنفسهم متّسع ليتجرأ شخص ما على اتهام ميت لا يملك الرد عن نفسه؟

شخصيا، لا أرى فارقا في المنطلق الفكري لمن يظهر الشماتة بمسلم أو معاهدٍ مغدور يُقتَل غيلة أو يستكثر الترحم عليه، وبين المتشدد الذي يحكم على مخالفه بالخلود في النار لأي ذنب، ويستسهل إهدار دمه، فكلاهما يستسهل الاعتداء على الأنفس المعصومة، ولا يرى بأسا في إيذاء مخالفه، والإيذاء قد يبدأ بكلمة كما نعرف.

لن يجبرك أحد على التعاطف مع الجميع، أو موافقة الجميع في اختياراتهم، بل ستكون الحياة مملة لو لم نختلف، ومع هذا فإذا لم تتألم أو تحزن على خسارة إنسان لحياته بلا ذنب اقترفه، فعليك أن تراجع إنسانيتك لأنها في خطر.

إذا تساءلت عن المكان الذي وقعت فيه، أو استسهلت الإساءة للأموات أو الأحياء

وغلّفت إساءتك بغلاف ديني، واعتقدت أن في هذا تقربا لله، فأنت أيضا في خطر. فالله سبحانه وتعالى لم يخلقك لمحاسبة خلقه، بل خلقك سبحانه لعبادته كما قال تعالى في كتابه الكريم: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون".

تمنّت لنا شهد سمان -يرحمها الله- أمنية عظيمة قبل موتها، وهي أن يكون عامنا هذا خاليا من الأوجاع.

إن من حسن العهد لأختنا، أن يسهم كلّ منا بما يستطيع في تحقيق أمنيتها الأخيرة، وليكن قرارنا هذا العام التقرب من الله أكثر، بترك الخلق للخالق، وبذل الندى وكف الأذى عمّن نعرف ومن لا نعرف، وهذا باب عظيم جدا من أبواب الخير لا يقدر عليه إلا من وفقه الله.

رحم الله الشهداء، وعجّل بشفاء المصابين، وأقرّ أعيننا جميعا بهلاك داعش ومن يدعمها، أو يؤمن بأي من أفكارها المريضة.