ظهر مفهوم "التجديد"، ومنذ مدة لا بأس بها، كرهان الفكر والخطاب الإسلامي على المعاصرة، والحقيقة أن هذا المفهوم شائع، إلا أنه يبدو غامضا بعض الشيء، ولا سيما أن كل إنسان يحمل تصورا خاصا ومختلفا عنه.. "التجديد" كمصطلح ليس مصطلحا جديدا، بل هو قديم، بقدم قوله صلى الله عليه وسلم، في الحديث الذي أخرجه الإمام أبو داود بسند صحيح: "إن الله يبعث على رأس كل مئة سنة من يُجدد لهذه الأمة أمر دينها، أو دينها"، ولهذا لم يجد المنادون به أي غضاضة في ضرورة أن يتجدد الخطاب الديني، وأن تكون أطروحات العلماء والدعاة والمنتمون إلى المؤسسات الإسلامية، مختلفة عما مضى من أيام..
الخطاب الديني المقصود هنا، يدخل فيه النشاط الإسلامي، والمناهج الدينية، وما يطرحه العلماء والدعاة والمنتمون إلى المؤسسات الدينية، من خلال خطبهم، ومحاضراتهم، وما يكتبوه، وما يقدموه في برامجهم الإعلامية، وغير ذلك كثير؛ ولعل أهم ما يتعلق بقضية التجديد، هو قوله صلى الله عليه وسلم: "من يجدد"، وكلمة "مَن" وحدها تعتبر المفتاح الرئيسي لموضوع التجديد، ومنها يفهم أن العمل التجديدي ليس شأنا فرديا واحدا، ولا يمكن أن يقوم به الفرد مستقلا، بل هو أمر جماعي، تشترك فيه التخصصات الشرعية، وغير الشرعية، وكلها حتما لا بد وأن تصب في مصب واحد، هو خدمة مصالح العباد والبلاد..
كثيرا ما يرفع خصوم التجديد شعار "الكتاب والسنة"، وبعضهم يضيف عليه عبارة "بمفهوم السلف"، ويخوفون به من حولهم، كأن من ينادي بالتجديد المنضبط، لا يقر بالأصلين العظيمين، أو أنه على دين غير دينهم؛ والتاريخ يشهد أن السلف الصالح تعددت مفاهيمهم في آيات الكتاب، ونصوص الأحاديث، ووصلنا عنهم عدة تفسيرات، وعدة شروحات، ومن أبرز الأمثلة على ذلك ـ مثلا ـ كفارات اليمين التي منها بحسب سورة المائدة {وتحرير رقبة}، وكفارة القتل الخطأ، الواردة في سورة النساء {فتحرير رقبة مؤمنة}، فبرغم وضوح النص في الأولى، إلا أن بعضهم قال لا تجزئ في كفارة اليمين إلا الرقبة المؤمنة، تقيدا منهم بالآية الأخرى، رغم أنها وردت مطلقة، ومنه يظهر أن المشكلة ليست في الكتاب والسنة، بل في احتكار الفهم عنهما.
لا شك أن هناك عددا من المنطلقات والآليات التي تضمن إصلاح الخطاب الديني وتجديد الفكر الإسلامي، وعلى رأسها الالتزام بالضوابط العلمية، والشروط المنهجية، والثوابت الدينية، في كافة الأمور المختلفة التي تمس عقائد الناس وشرائعهم، وهذا لن يتم إلا بتركيز الجميع على تعميق الوعي بالشرع، والسعي في تنمية علاقات الخلق مع خالقهم، وحفظ أمنهم، وأمانهم، وإعمار أرضهم، وتغليب ما يخدم مصالحهم.