فرق بين الشريف والمستشرف، وفرق بين المجرم والضحية، وفرق بين أن تكون مسلما وأن تتعامل وتفكر كمسلم. هذه هي الأفكار التي تزاحمت بها مخيلتي وأنا أتابع باشمئزاز ردات فعل البعض تجاه إخوة وأخوات لنا في الدين والوطن ممن سقطوا ضحايا في العمل الإرهابي الإجرامي ليلة رأس السنة في إسطنبول.
الفرق بين الشريف والمستشرف، هو أن الشريف لا يحتاج أن يزايد في شرفه بادعاء انعدام الشرف في غيره، بينما المستشرف هو الذي يقتات على محاولة الظهور للآخر بما ليس فيه، فكم من إرهابي على سبيل المثال تبنى الفكر التكفيري لتعويض الألم الذي في داخله والضمير المحترق في أحشائه نتيجة حياته الغارقة في الفجور والآثام، فقرر أن ينهج التطرف في مواقفه المناقضة لحياته السابقة بأن يتبنى ما اعتقد أنه تطهير لشرف روحه عله يحظى بمغفرة، والمريض النفسي الذي اعتاد رؤية الناس بالعيب الذي في داخله لا غرابة أن يتهم غيره في أخلاقه وعرضه ليشعر بأنه قد انتقم لنفسه بأن طهرها، وما طهرها بل زادها في مرضها النفسي.
كيف يمكن أن يكون الحوار في أعقاب مأساة إنسانية أصابت إخوة وأخوات لنا بأن يكون التركيز في الحديث بمنطق يحاول التخفيف عن فظاعة عمل المجرم بتجريم الضحية، كيف يمكن لإنسان عاقل أن ترتكز حواراته وتحليلاته حول لوم الضحية بتبريرات واتهامات خارجة عن كل الأعراف والمثل والأخلاق الإنسانية، والدخول في النوايا والغيب وكل ما لا يمكن إثباته فقط من أجل رسم صورة سلبية عن ذلك وتلك، كيف يكون العقل قابلا لاتهام الضحية في وقت لا نسمع أو نقرأ لهم رأيا يجرم عمل المجرم ويتبرأ منه!
انتماؤنا للإسلام ليس فقط عنوانا وتعريفا يطبع في بطاقة شخصية، الإسلام أخلاق وتعامل وأفكار طاهرة متجردة من الحقد والوسوسة وقذف البشر بأوصاف تتنازعها دواخل الأنفس المريضة والمتصارعة مع ذاتها، والإنسان الذي لا يرى في أخيه الإنسان إلا أنه مكون من معاصٍ وآثام هو ليس بالضرورة أطهر منه وأشرف، فكم من هؤلاء يعيب الملهى وهو زائر دائم له، وكم من مزايد على أخلاق الآخرين تظهر في أخلاقه العيوب والفضائح، وكم من هؤلاء دافع في العلن عن المُثل وهو من خلف الكواليس لا أخلاق له ولا مثل.