سنبدأ من هناك، حيث الرسومات الدنماركية المسيئة للرسول الكريم، وما صاحب ذلك من ضجة العالم الإسلامي، بالإضافة إلى مسلمي العالم الغربي من تنديد واستنكار فاق كل التوقعات، وكل ذلك بسبب رسومات مسيئة، نعلم جميعا أنهم يفعلون دائما وحتى الآن ما هو أكثر منها بحق المسيح ومريم على مستوى الصحافة، بل على مستوى الإنتاج السينمائي بلا استثناء لنبي أو رسول، ليس في الدنمارك وحدها.

نعود لمشهد المذابح في العراق على الطائفة والعرق، ومثلها ليبيا وسورية، وصولاً إلى داعش التي أحرقت البشر أحياء بلا استثناء مسلم وغير مسلم، وسبي النساء، ولم نرَ من التدين الشعبي في العالم الإسلامي نفس مستويات الاستنكار لما يحصل من تشويه حقيقي للإسلام بيد داعش، حرقاً للأجساد وقطعاً للرقاب، بل تحاول الدول، إسلامية وغير إسلامية، قطع الطريق على الأتباع الجدد، دون وجود زخم شعبي يماثل ما شاهدناه في مشكلة الصور الدنماركية.

وعلى هذا لا نستنكر التدين الشعبي عندما يفرز لنا بشراً يتساءلون عن القتل، هل حصل في مطعم أو ملهى، ولا عجب فقد رأى ابن ثقافتهم قبل هذا أن القتل والزنا بالمحارم أهون من ترك الصلاة، متناسيا أو جاهلا بالمسألة التي تُحكى بين الإمام الشافعي والإمام أحمد، عندما قال الإمام أحمد: تارك الصلاة كافر، فقال له الشافعي: ولماذا؟ فرد أحمد: يقول الرسول الكريم: العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر، فقال الشافعي: وكيف يعود إلى الإسلام يا أحمد؟ فقال الإمام أحمد: يرجع فيصلي، فقال الشافعي: كيف تقبل الصلاة من كافر، فقال أحمد: فيشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فقال الشافعي: هو مقر بالشهادتين غير منكر، فسكت الإمام أحمد، فقال الشافعي: هو كفر دون كفر يا أحمد، فقد قال الرسول الكريم: سباب المسلم فسوق وقتاله كفر، وقد اقتتل الصحابة ولم يقتض هذا الكفر المخرج من الملة، ثم بدأ يفصل له المسألة بعقل الفقيه لا بلسان المحدِّث.

ولهذا فالمسألة بدءا بالمظاهرات الشعبية لأجل صور الكاريكاتير الدنماركي، وضعف التدين الشعبي في استنكار أفعال داعش باسم الإسلام من حرق البشر وسبي النساء والأطفال، مرورا بسؤال تبرير القتل ما بين مطعم أو ملهى، وانتهاء بأن زنا المحارم أهون من ترك الصلاة، تعود في أصلها إلى البناء الذهني الذي يعتقد أن الإنسان في خدمة الدين، بينما الحقيقة أن الدين جاء لخدمة الإنسان وإرشاده ليكون أرقى وأنقى وأسمى، والمتتبع التاريخي للمسألة سيرى أن الرسول الكريم فيما روي عنه قال: (لهدم الكعبة حجراً حجراً أهون من قتل مسلم)، والمعنى عند العقلاء واضح ومعقول، فقد جاءت السيول وهدمت الكعبة طيلة تاريخها، وأعيد بناؤها في ما قبل الإسلام وما بعده، وقد هدم القرامطة الكعبة وأخذوا الحجر الأسود، وتمت إعادة بنائها أحسن مما كانت، وعاد الحجر الأسود إلى مكانه، لكن من يعيد الحياة إلى (إنسان).

الإنسان الحقيقي هو من يكون سعوديا ومن الأغلبية السنية ثم يدافع عن الأقلية الشيعية من أبناء وطنه ضد تنمر بعض الأغلبية (سواء تنمر ذكي كما يفعل بعض المثقفين، أو تنمر فج كما يفعل بعض الوعاظ)، الإنسان الحقيقي هو من يكون إيرانيا ومن الأغلبية الشيعية ثم يدافع عن الأقلية السنية من أبناء وطنه ضد تنمر بعض الأغلبية، الإنسان الحقيقي هو من يكون فرنسيا ومن الأغلبية المسيحية ثم يدافع عن الأقلية المسلمة من أبناء وطنه ضد تنمر بعض الأغلبية، الإنسان الحقيقي هو من يكون بين أغلبية ينتمي إليها عرقاً أو لوناً أو مذهباً أو ديناً ثم يدافع عن أقلية تشاركه الإنسانية والوطن، ومن يبحث عن الجماهير يختلف مع من يبحث عن الحق، فرأسمال الجماهير دغدغة غرائز القطيع فيها، ورأسمال الحق خرط القتاد.

ومن يظن أنه الأغلبية دائماً فليلتفت وسيرى أنه على مستوى مليار مسلم سيقابل ستة مليارات إنسان على غير ديانته، وعلى مستوى المذهب سيقابل ما يذكره بجرحه النرجسي في مؤتمر غروزني، ليكتشف أنه أقلية ما لم يخرج من شرنقة التعصب الأعمى باسم الدين أو العرق، ليكتشف أنه جزء من هذه الحضارة الإنسانية بأعراقها ودياناتها، هذه الحضارة الإنسانية التي لا تخص الغرب وحده أو الشرق وحده، والتي تعمل بوجهها الإيجابي من أجل الحفاظ على طبقة الأوزون من التلف، واكتشاف الفضاء وحماية البيئة على هذا الكوكب، أما وجهها السلبي فيعمل على بيع السلاح لدول العالم الثالث ليستخدموه فيما بينهم وعلى رؤوس شعوبهم، فكيف تستغربون أن يوجد بيننا من يسأل: هذا مطعم أو ملهى؟ غير مدرك لمعنى (موت إنسان)، فالدم اليومي والمجاني حوله وفي شاشة تلفازه يجعله يبتكر ألوانا للموت له روائح ونكهات، كي يشعر بأنه يمتلك معنى لوجوده، ومن يعجز عن إيجاد المعنى في الحياة عند (الإنسان) يبحث عن المعنى في الموت عند (رجل الدين).