كنت في أولى سنوات الدراسة الجامعية، وفي ثالث أو رابع سنوات الهوس القرائي ومطاردة دبيب نمل المعرفة في كل مكان، عندما دخلت إلى مكتبة صغيرة ومحشورة في مكان ضيق، مقابل موقع جامعة الملك عبدالعزيز، في حي الجامعة جنوب جدة، إذ حشرت نفسي وجسدي، بين أرفف لعشرات الكتب القيمة والمهمة فعلا، قبل أن أسحب بيدي كتاب "المبالغة في البلاغة العربية"، للدكتور عالي القرشي، وكنت قبلها عرفت الدكتور اسما عاليا في مقالات وملاحق الثقافة.

ذاك كان الكتاب الأول الذي أقرؤه للناقد الطائفي اللامع، وكانت رحلتي مع كتابه ذلك، في غاية المتعة المعرفية والجمالية والاستمتاعية، فأسلوب عالي القرشي، كغيره من نقاد تلك الفترة الذهبية، من أمثال الغذامي والبازعي والسريحي ومعجب الزهراني، حيث تحويل المادة النقدية الجامدة بنظرياتها ومصطلحاتها، إلى مادة جاذبة اللغة وزوايا التناول.

تحتل الطائف مكانة ومكانا، في ثقافتنا الحديثة، إذ خرج من سلال وردها، أسماء ثقافية بارزة ومؤثرة في المشهد الثقافي السعودي، من أمثال الدكتور فهد العرابي والدكتور عثمان الصيني، وغيرهم، إلا أنني أظن أن لعالي القرشي حالة وجدانية خاصة مع الطائف، إذ عمد إلى خدمتها ثقافيا، خلال العمل المؤسسي الثقافي داخل المدينة، وخلال الكتابة والتأليف، عنها ومنها ولها، وهذا يظهر جليا وعليّا في مؤلفه الطائفي الأخضر والأجمر: "شخصية الطائف الشعرية".

ينام عالي القرشي بكل جهاده وجهده الثقافي، على سرير المرض في مستشفى الحرس بجدة، وتنام الطائف كلها بعين مغمضة، وأخرى مفتوحة على أمل أن تراه من جديد.