سؤال طرح، ويطرح كثيرا، وفي مختلف الأوساط، وهو: هل انتصر مذهب على آخر في إشاعة مفهومه الخاص عن فقه الجهاد؟.. بداية لا بد أن أقول إن المنتصر من أي مذهب، هو ذاك الذي يبحث أتباعه عن فقه السلام؛ المنتصر هو من يعرف أتباعه الفرق بين القتال المشروع وعكسه، ومن يعرف الفرق بين جهاد الدفع، وجهاد الطلب.
الجهاد ولكي يصح أن يسمى جهادا، هو الجهاد الملتزم بالضوابط، ومن أهمها تعلقه ـ الجهاد ـ بسلطة الدولة، والتي لا يملكها إلا ولي الأمر، وهو الذي يسير في سبيل العدل، والسلام، والأمن، الذي أتت به كل أديان الله، وليس من أجل الأهداف البغيضة الهابطة، كترويج الأسلحة وبيعها، وغير ذلك من استعباد أو إفقار للبشر.
الجهاد وحسب تعريفات العلماء "يطلق على مجاهدة النفس والشيطان، والفساق، فأما مجاهدة النفس فعلى دفع ما يأتي به عن الشبهات وما يزينه من الشهوات"، أما الذين ما زالوا يعتبرون أن المقاتلة فريضة، وأن كل ديار المسلمين ليست دورا إسلامية محضة، جاعلين ديار الإسلام غير معصومة، مجيزين الاعتداء عليها، وارتكاب الأعمال المخلة بالأمن؛ فهؤلاء فاتهم أن عالمنا اليوم صار محكوما بالمواثيق والمعاهدات الدولية، ولم يعد ذلك العالم الذي في مخيلتهم أبدا.
يتحجج من لا يفهم عمق الجهاد، بتوسع الفتوحات الإسلامية، وهو خطأ جسيم، فما يسمى فتوحات، لا يمكن أن يسمى توسعا، بل إن الغرض منها تأمين البلاد والعباد، وعدم تمكين الأعداء من الدين، ومن باب عرض الخير على الناس، مع ترك كل الخيارات مفتوحة لهم، ويكذب من يدعي أن الإسلام والسيف صنوان، أو أن الإسلام دين أنزله الله تعالى لإرغام الناس عليه؛ ويخطئ من يصدق أكذوبة انتشار الإسلام بالسيف، التي أسسها الرومان يوما ما.
يقول الله ـ سبحانه وتعالى ـ في محكم آياته: {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا}؛ فالله ـ سبحانه وتعالى ـ غني عن دخول الناس في دين الإسلام، وتهديده ـ جل وعلا ـ قائم على من اختار لنفسه طريقا غير سوي، والإكراه في الدين أمر لا يتأتى؛ ولا سيما وقد ثبت بما لا شك فيه، أن التدين إدراك بالعقل والفكر والقلب، ولا يتصور فيه الإكراه، ولا يمكن حمل أحد لأحد على الدين بالقوة القاهرة، ولا يسوغ للداعي إلى الحق أن يكره الناس بالقوة، حتى يكونوا مؤمنين؛ لأن الإكراه والتدين نقيضان لا يجتمعان.