نستطيع أن نتفهم أن هناك فئة من المجتمع تعتقد بأن الهدف من التعليم الجامعي هو تأهيل منسوبيه لتحصيل فرص وظيفية في سوق العمل بجميع مجالاته وقطاعاته، وبما يتناسب مع تخصصاتهم وعلمهم الذي قضوا في لملمة مفرداته نحو أربع سنوات أو يزيد في دراستهم الجامعية، ليكونوا قوة العمل الفاعلة التي تتحمل أعباء تسيير الأعمال في سوق العمل سواء كقيادات أو كوادر إدارية ومهنية وحرفية مختلفة.
ولكن الذي لا نستطيع أن نستوعبه أو نتفهمه أن يكون مفهوم التعليم الجامعي ودوره قاصراً وضيقاً في مضمونه، لدى القيادات العليا في وزارة التعليم ووزارة العمل؛ وذلك بالإشارة إلى التصريحات الأخيرة المنسوبة إلى القيادات العليا في الوزارتين عبر منتدى أسبار الدولي يوم الخميس 9 /12 /2016، والاستفسار المطروح هنا، هل وُجد التعليم الجامعي لخدمة سوق العمل فقط؟! وهل تنحصر أهدافه في ذلك النطاق الضيق؟! وإذا كان هناك قصور في مخرجات التعليم ومدى مواءمته لمتطلبات سوق العمل علمياً ومعرفياً أو تطبيقياً، فهل السبب كان قاصراً على بعض التخصصات في العلوم النظرية والتربوية التي تتجه وزارة التعليم إلى إغلاقها، بينما كان هناك تميز وإبداع في التخصصات العلمية المختلفة؟! وهل وجد أصحاب المؤهلات العلمية فرصتهم الوظيفية في سوق العمل؟! أم أن تأهيلهم كذلك لم يكن يفي أو يتناسب مع احتياجات سوق العمل؟! وهل البطالة محصورة في خريجي التخصصات النظرية فقط؟! أم أن هناك الكثير من خريجي التخصصات العلمية الذين ما زالوا ينتظرون فرصا وظيفية أو تدريبا وتأهيلا؟!
ومن جهة أخرى هل نجحت سياسات سوق العمل وخططه وابتكاراته المتعددة بما يطرحه من برامج وصناديق في احتواء الموارد البشرية من مخرجات التعليم الجامعي؟ هل هناك فرص وظيفية متاحة؟! وهل نجحت وزارة الاقتصاد والتخطيط بدايةً، ثم وزارة العمل في التنسيق والتنفيذ لأهداف وسياسات سكانية ناجحة، سواء ما يتعلق منها بالتعليم وتطويره، أو بتنويع القاعدة الاقتصادية، وبما يسهم في توفير فرص عمل مُنتجة تدعم الاقتصاد الوطني؟! وهل نجحت وزارة العمل في خطط التوطين والحد من البطالة التي تزداد نسبتها عاما بعد عام؟! وهل نجحت وزارة العمل في مخرجاتها لسنوات من المؤسسة العامة للتعليم والتدريب في الحد من العمالة الوافدة التي تستأثر بكافة المهن والحرف التي يفترض أن تكون مخرجات المؤسسة قد سدت شيئا من الفراغ؟! وهل حفظت وزارة العمل حقوق المواطن في الحد الأدنى من الأجور وفي نظام العمل وظروفه؟!
في واقع الأمر لم نكن لنشهد هذا التقدم العلمي والمعرفي الذي وصلت إليه أمم غيرنا، كما لم يكن لنا أن نستفيد من المخترعات المادية المختلفة ذات الصلة بالتخصصات العلمية، أو الوصول إلى أساليب لمعالجة وحل الكثير من المشكلات الاجتماعية والنفسية والتربوية على اختلافها، لولا النظريات والأبحاث والدراسات النظرية والتطبيقية ذات الصلة بتلك العلوم.
ومن نافلة القول أنه لا يمكننا التقليل من أهمية التعليم الجامعي في توفير كوادر بشرية تخدم سوق العمل، ولكن مما يجب إدراكه أن التعليم الجامعي يُمكنه توفير مُخرجات متخصصة علمياً ومعرفياً أكثر عمقاً بالمقارنة مع مراحل التعليم الأقل منه، ويزداد التعمق في التخصص بالدراسات العليا، وما ينتج عنها من أبحاث تخدم التطور العلمي والمعرفي على اختلاف تخصصاته ومجالاته، وبتراكم المعرفة تتبلور الموارد المتاحة كمنتجات وثروات ملموسة، وذلك من خلال الاهتمام بالبحث العلمي وتطويره، وبه تتقدم الأمم وتكون الإبداعات والابتكارات فتتحول المعرفة إلى منتجات فعلية مثمرة.
ولذلك فإن الكثير من الدول المتقدمة تجري اختبارات صعبة ودقيقة لخريجي الثانوية العامة الذين يريدون الالتحاق بالجامعة لتصفيتهم، بهدف اختيار النخبة الأفضل وفي جميع التخصصات ولا تقوم إطلاقاً بإغلاق تخصصات، أو الحد من القبول فيها، لأن التعليم الجامعي يعني بداية التخصص والمعرفة بعمق، وهو ما تحتاجه القيادات في سوق العمل وبعض الكفاءات الإدارية، بينما يمثل الشريحة الأكبر من الكوادر البشرية في سوق العمل المنتج خريجو كليات المجتمع ذوو الديبلومات المتنوعة أو ما يناظرها من الشهادات والمؤهلات.
وتمثل ديبلومات كليات المجتمع المرحلة الأولى من التعليم ما بعد الثانوي وما قبل الجامعي، وتعرف في بعض الدول المتقدمة بالمرحلة الجامعية الأولى، وتحتوي تلك الكليات (أو ما يناظرها في المسمى) معظم خريجي الثانوية العامة في الدول المتقدمة، وذلك من خلال مسارات مهنية وحرفية وتقنية مختلفة تناسب مختلف الأفراد بفروقهم الفردية، وبما يلبي حاجات ومتطلبات سوق العمل في الفئة الكبرى من حجم العمالة المنتجة فيه، وبما يتناسب مع الموارد المتاحة للدولة، ويصل منسوبو تلك الديبلومات إلى نحو (70%) من خريجي الثانوية العامة في الولايات المتحدة الأميركية، كما تقارب اليابان تلك النسبة، وترتفع إلى (80%) عند الإناث في اليابان، ومثل ذلك في كل من كوريا وتايوان على سبيل المثال لا الحصر.
ولذا فإن تخفيض القبول في الجامعات إلى 50% ليس بالأمر الخطأ علمياً (وإن عارضه الكثير) كما تشير تجارب الدول التي سبقتنا في ذلك المجال، بل هو الأفضل لتحقيق تنمية اجتماعية مستدامة ولتوفير كوادر بشرية تُمثل البنية التحتية لسوق عمل منتج، ولذا فإن الأساس في تصحيح المسار في المواءمة بين مخرجات التعليم وسوق العمل، وقبل تخفيض القبول إلى50%، هو الاهتمام بكليات المجتمع وبما تتضمنه من تخصصات مختلفة، والرفع من مستواها العلمي والتقني لتكون مخرجاتها تخدم سوق العمل وتوائمه في متطلباته، وبما يتفق مع موارد الدولة المتاحة على اختلافها؛ إذًا فالتنسيق بين كليات المجتمع أو الديبلومات دون المرحلة الجامعية ومتطلبات سوق العمل ليس مطلوباً فقط، وإنما هو هذا الهدف الأساس والوحيد الذي وجدت من أجله، وبما يتطلب خريطة تكاملية وتنسيقا متبادلا بينهما، بحيث تستقطب تلك الكليات خريجي الثانوية العامة، وتعمل على تأهيلهم لخدمة المجتمع وسوق العمل من جهة، وتوفير سبل الحياة والمعيشة لهم في مجالات مختلفة من جهة أخرى، وبما ينعكس إيجاباً على كافة شرائح المجتمع والطبقة المتوسطة بصفة خاصة، والتي تمثل الشريحة الأكبر من المجتمعات.
أما التعليم الجامعي فالهدف منه توفير مخرجات أكثر تخصصاً وعمقاً في الجانب المعرفي الذي يتم التخصص فيه، سواء كان من العلوم النظرية أو العلمية المختلفة، والتي يستفيد منها سوق العمل كقيادات وكوادر بشرية متخصصة، ومنها ما يتجه نحو دراسات عُليا أكثر عمقاً، ليقدم من خلال أبحاثه ودراساته منجزات أكثر تقدماً ونفعاً في مساراتها المختلفة.
ولكي نستطيع التعامل مع إخفاقاتنا التنموية والبشرية ومعالجتها وتصحيح مسارها؛ لا بد أن نستفيد من تجارب الدول التي سبقتنا تنموياً، وحققت منجزات حضارية واضحة في مخرجات مواردها البشرية وبُنية هيكلها الاقتصادي والاجتماعي، ولا يمكن القبول بأن تعالج المشكلات بتجارب مستحدثة، وبارتجالية وعشوائية غير مدروسة لا تناسب المرحلة الحرجة والتحديات التي نعيشها، فإن ذلك من شأنه أن يؤدي إلى مزيد من الإخفاقات والتخبط في معالجة التحديات الراهنة، بدلاً من طرح حلول مدروسة وعاجلة تستدرك الانزلاقات السابقة.