من النقاط التي أثارها تعليق الصديق شايع الوقيان على ورقة "الآخر في الضيافة" والتي قدمتها ضمن نشاطات حلقة الرياض الفلسفية "حرف" تلك المتعلقة بحوارية الضيافة. يقول الوقيان "كيف يمكن أن تكون الضيافة علاقة حوارية إذا كان طرف "أعلى" من طرف؟!! فالحوار الحقيقي كما بين هابرماس طبيعته يجب أن يتم بين متكافئين.. أي ألا تكون لأحد سلطة على الآخر.. وإلا أصيب الحوار بعطب وتحول إلى استعمال وأيديولوجيا. فالحوار الديمقراطي سيكون غائبا من مفهوم الضيافة عند ع.م. ولو اقتصرت هذه العلاقة القطبية (عكس التكافئية) على الضيافة بمعناها الكلاسيكي فلا مشكلة، ولكن محاولة تطبيقها على ميادين أخرى سيبرز هذه المشكلة بوضوح، وأقصد ميادين التعليم والفضاء الاجتماعي العام". التعليق أعلاه يحيل إلى علاقة الذات بالآخر في الضيافة. الآخر في الضيافة متعال على الذات بمعنيين: الأول أنه شرط وجودها، فلا مضيف بلا ضيف، كما أنه متعال عليها بالمعنى الأخلاقي، فالذات المضيفة خادمة لضيفها، وهذه الخدمة مثار افتخار أهل الضيافة في كل مكان. المضيف مسؤول عن ضيفه أخلاقيا ولا يطلب منه أن يعامله بالمثل. هذه العلاقة بحسب الوقيان ستتسبب في حجب إمكان الحوار في الضيافة، خصوصا إذا نقلنا أخلاقيات الضيافة إلى مجالات عمومية كمجال التعليم "كما حاولت ذلك في رسالتي للدكتوراه". الحوار كما يؤكد هابرماس قائم على التكافؤ وإلا تحوّل إلى وصاية وهيمنة من طرف على حساب الآخر. تعليقي على هذا الاعتراض سيتكون من نقطتين: الأولى: التفريق بين مستويين في الحوار يمكّننا من الجمع بين تعالي الآخر في الضيافة وإمكان الحوار المتكافئ، الثانية في بيان أن العلاقة بين الذات والآخر في الضيافة خارج السياق الكلاسيكي منفتحة على تبادل الأدوار بين الذات والآخر وبالتالي تحقق التكافؤ.

النقطة الأولى يمكن المحاجة لها بالتالي: يمكن التمييز بين المستويين التاليين في الحوار: المستوى الأول هو الالتزام الأخلاقي الذي يربط أطراف الحوار والمستوى الثاني هو مستوى مضمون الحوار بين الطرفين. الضيافة تؤسس للمستوى الأول في الحوار: المستوى الأخلاقي. هذا المستوى يمكن التعبير عنه بالتالي: كل طرف في الحوار يشعر أنه مسؤول عن الآخر، كما يشعر الضيف بمسؤوليته تجاه ضيفه. المحاور المضياف يعتقد أنه يتحمل مسؤولية الاستماع لمحاوره، أن يخصص له انتباهه، أن يستمر معه حتى ولو لم يفهمه، أن يتجنب قولبته، ألا يسعى إلى خداعه، أن يفتح له ذاته. في هذا المستوى الآخر متعال أخلاقيا بمعنى أن له حقوقا يجب أن تتوفر وتتحقق بغض النظر عن موقف الطرف الآخر. نلاحظ هنا أن هذا ما نتوقعه من المعلم المضياف بأن يكون لديه التزام أخلاقي تجاه طلابه حتى ولو لم يبادلوه ذات المعاملة. هذا المستوى الأخلاقي شبيه بما يسميه ليفيناز بـ Saying إشارة إلى العلاقة المؤسسة لمضمون كل قول the said. في هذا المستوى الآخر متعال والذات تخضع له لا كما يخضع المقهور للقاهر بل كما نخضع لسلطة الطفل والأم والمتسول. مسؤوليتنا تجاه الآخر تجعلنا في مهمة الاستجابة له، هذه الاستجابة هي شرط الحوار، الحوار يموت مع انقطاع الاهتمام بين أطرافه، نتذكر هنا أن اهتمام المضيف منصب باستمرار على ضيفه. المستوى الثاني من الحوار هو المستوى المعرفي الذي يتم فيه تبادل الأفكار والمعلومات. هذا المستوى يتطلب فعلا التكافؤ بين الأطراف وخفوت السلطة. ما هو متوقع من منظور الضيافة في الحوار بين المعلم والطالب ليس أن يمرر المعلم معلومات الطالب الخاطئة أو أن يمرر بسلطته معلوماته على الطالب: في هذا المستوى المطلوب التكافؤ والحرية، المطلوب ضيافيا هو ألا يقطع المعلم أو الطالب الحوار لإشكاليات معرفية؛ أن يتذكر المعلم والطالب أن مسؤوليته عن الآخر تتجاوز الأهداف المعرفية؛ أن هناك علاقة أخلاقية أولى بينهما. هنا نجد الضيافة تؤسس لعلاقة حوارية معرفية متكافئة كما تؤسس حوارية أخلاقية الآخر فيها متعال على الذات.

   النقطة الثانية يمكن توضيحها بالذات: في المجال العام، التعليم مثلا، التوقعات القائمة بين الذات والآخر تشمل تبادل الأدوار في العلاقة. بمعنى أن الذات المستضيفة لن تستبعد أن يستضيفها الآخر كذلك. الذات التي تفتح ذاتها للآخر وتشعر بأنها موجودة من أجله لن تستبعد أن يقوم الآخر بذات الدور. هنا نحصل على شيء من التكافؤ لا كاشتراط أولي ولكن كثمرة للضيافة. الذات المضيافة التي تعتقد بعلو الآخر لن تستبعد أن يقوم الآخر المضياف بإعلائها كذلك. هنا الآخر متعال والذات متعالية في الآن ذاته. هذا شبيه بك حين تفتح الباب وتطلب من الآخر بجانبك الدخول قبلك رغم قدومك قبله ثم إصراره في المقابل على دخولك قبله. شبيه بالترحيبة التي يقبلها الامتنان، شبيه بـ"شكرا" التي تتبع تفضل. في المجال العام تدفع الضيافة باتجاه رفع المستوى الأخلاقي في التعامل بين الناس. رفع هذا المستوى بين "الجميع" لن يدفع باتجاه الطبقية أو القطبية بل على العكس. الحوار الذي تشارك فيه ذوات مضيافة يرفع احتمالات التكافؤ لا العكس. الذات المضيافة قد تقابل فعلا من يستغلها ويستعمل ضيافتها لكنها في الغالب تدفع الآخر لموقف الضيافة، كذلك وتحفز فيه روح إعلاء الآخر في المقابل.

     النقاط أعلاه يمكن أن تساعدنا في تخفيف القلق من إعلاء الضيافة للآخر على الذات على إمكان الحوار المتكافئ. بحسب النقاش أعلاه فإن الضيافة لا تتعارض مع التكافؤ "المعرفي" كما أنها في النقطة الثانية تدفع باتجاه التكافؤ الأخلاقي لا كشرط مسبق بل كثمرة لارتفاع الحضور الأخلاقي في المجال العام.