في صباح لندني سقطت الحرارة فيه تحت الصفر، ركبت مع سائق تاكسي هندي ليقلني إلى اجتماع مهم، انصرفت خلال جلوسي خلفه بتقليب أوراقي، بينما رفع هو صوت الراديو على حوار بين حقوقيات غربيات ومذيع، تطرقن فيه إلى مظاهرة يعددن لها أمام السفارة السعودية لشجب الوضع الذي تعيشه المرأة السعودية.
بعد أن انتهى الحوار أقفل الراديو، وقال: أنت سعودية أليس كذلك، قلت نعم، فقال إن وضعكم محزن، وانطلق يتحدث عن حقنا في قيادة السيارة، وأنه من العار أننا لا نقود، في الحقيقة إني تركته يسترسل لانشغالي، لكني في الأخير قلت له حسناً أنا تركتك تتكلم عن وضع السعوديات عشرين دقيقة، هل تسمح لي بالتحدث خمس دقائق عن وضع بنات بلدك الهنديات، وكم نسبة التعرض للاغتصاب وعمليات الوأد، وقتل الزوجات وإجبارهن على دفع المهور، وإهانتهن التي تؤدي بنسبة كبيرة للانتحار، ومستوى التعليم المنخفض في بلادكم، بل وضع الإنسان بشكل عام، ومعاناة طبقة المنبوذين داخل المجتمع الهندي. ليصرخ بدهشة أنا لا أنتقد بلادك أنا فقط أردد ما يقولونه في الـ"بي بي سي"، إنهم مهتمون بوضعكم في السعودية، فقلت: ولماذا لا يهتمون بوضع نسائكم ومجتمعكم وأنتم تمثلون نسبة كبيرة في هذه البلاد، وبينكم وبينهم علاقة كبيرة؟ فضحك بصوت عال، وقال: إنهم ينتقدونكم لأن لديكم المال، هكذا يجعلونكم تدفعون ليصمتوا.
قلت في نفسي وأنا أغادر سيارته يبدو أن هذا السائق الهندي البسيط اكتشف لعبة الإعلام الغربي أفضل مما فعلنا نحن.
الدفع للإعلام استراتيجية يستخدمها الكثيرون، شركاتٍ ودولاً، لاستمالته لتحسين صورتها، لكن إذا بقيتَ تدفع لهؤلاء لإسكاتهم لن تحصلَ على نتيجة لأنهم في أي لحظة سيطلقون أبواقهم تتشدق بمصطلحات الإنسانية والحقوق إلخ، بينما لو انطلقت لإصلاح أوضاع شعبك نساء ورجالا، واستمعت للنقد البناء في مسائل الحقوق، لن يجدوا شيئا ليلوموك عليه، بل حتى لو اختلقوا شيئا فإن الواقع سيكذبه.