كنت أقرأ في أعداد صحيفة قديمة، قبل قرابة قرن، تفاصيل صغيرة لا يحفظها التاريخ المدون في الكتب، حيث ورد في أحد أعدادها الصادرة يوم (الإثنين 13 نوفمبر 1922) ما يلي: "علمت جريدة بني بارزيان بأن السلطان يرفض التنازل عن لقب الخلافة، وأنه تلقى على ما يظهر تأكيدات وضمانات من البريطانيين فيما يتعلق بسلامته، بحيث استطاع أن يصرح بأنه سئم من الإهانات التي توجهها إليه صحف أنقرة ويرتئي بعضهم أن السلطان مسافر إلى الهند، حيث يجله المسلمون ويحترمونه احتراما كبيرا". الكوميديا السوداء أن (الخليفة) ولقب (الخلافة) تحرسه بريطانيا، وطبعا فإن بريطانيا تحرس اللقب وصاحبه رعاية لمصالحها في خلافة ضعيفة تقلبها بين يديها كيف تشاء، وبعد هذا العدد بثلاثة أيام (الخميس 16 نوفمبر 1922) ورد عدد يحمل الخبر التالي: "إرسال مراسل جريدة ديلي تليجراف من الأستانة تليجرافا قال فيه: إن السلطان بعد أن رفض التنازل عن العرش طلب إلى مركز قيادة القوات البريطانية حماية القصر ومراقبته"، وما زالت بريطانيا في أحلك ظروف يمر بها (الخليفة العثماني) هي الملجأ الآمن والصدر الحنون لرعاية (الخليفة المسلم).
ويبقى السؤال: لماذا لم يلجأ الخليفة وهو صاحب السلطة الزمنية والروحية لعموم الأمة الإسلامية، لماذا لم يطلب أن يدافع عن لقبه عموم المسلمين في العالم الإسلامي، لماذا ترك المسلمين من أقصى الهند إلى أقصى المغرب، واتجه إلى حضن بريطانيا يطلبها النصرة والمنعة، (خليفة عثماني) سليل أسرة حكمت ستة قرون ثم يعجز أن يجد له نصيرا من عموم شعبه في العالم الإسلامي، وقد يقول قائل: هذا طبيعي لأنه فقد شرعيته، فتسأل لماذا فقد شرعيته؟: فيجيبك: لأنه تخلى عن تعاليم الدين الإسلامي، فترد عليه ساخرا: وهل أتاتورك الذي وجد فيه الأتراك المنقذ لهم كان مشغولا بهذه التعاليم؟! فحتى (الخليفة سليل أعرق الأسر التركية) عجز عن أن يجد له بين الأتراك نصيرا، عدا أن يجد في العالم الإسلامي من يتحمس للوقوف معه.
الأمر ببساطة أن العالم تغير من حول الخليفة العثماني، ولم يشعر بهذا التغيير، فأسلافه من ملوك أوروبا بدؤوا في مراحل الغروب، باستثناء من تكيفوا مع المعطيات الجديدة، ولهذا بقيت كل الممالك التي تكيفت ولو متأخرة مع معطيات الثورة الفرنسية، وانعكاساتها على حقوق الشعب وفصل السلطات، ويبقى المهم في كل هذا من يدرك تغير الزمان، قبل أن يلفظه المكان لأنه خارج التاريخ وهو لا يشعر، فالخليفة العثماني كسليل ستة قرون من الحكم درس قاس لمن يتوهم الخلود، فعندما جهل (الخليفة) سنن البقاء في التكيف والتغير والمرونة وقراءة مطالب الشعب بعين المحبة، لا بعين (مكره أخاك لا بطل)، طلب المساعدة والحماية من بريطانيا، عاجزا عن طلبها من شعبه، وعندما حانت ساعة الحقيقة، كانت النتيجة ما أوردته نفس الصحيفة بتاريخ (الإثنين 20 نوفمبر 1922) ونص الخبر ما يلي: "برقية روتر: الأستانة في 17 نوفمبر لجأ السلطان في هذا الصباح إلى الدارعة البريطانية (ملايا) وقد أبحرت في الحال إلى (مالطة) وقد تم الالتجاء بغاية السكينة، فإن السلطان يوم الأربعاء طلب من بريطانيا أن تحافظ عليه، باعتبار أن حياته أصبحت في خطر، ولذلك توجهت في صباح هذا اليوم سيارة إلى جانب مدخل القصر، وانتظرت ساعة تبديل الحرس، وفي تلك الأثناء خرج السلطان وابنه "محمد أرطغرل" وستة من رجال القصر انسلوا إلى المقر البحري البريطاني، وأما الجمهور فلم يشعر بشيء..". وأسدل الستار على خريطة الدولة العثمانية التي نرى عليها الآن ما مجموعه واحد وأربعون دولة من شرق أوروبا إلى غرب روسيا إلى معظم دول الشرق الأوسط، مع ستمائة سنة من الحكم كأنها لم تكن شيئا مذكورا، فكيف توهم صدام والقذافي وغيرهما ما توهموه من داء العظمة، وهم مقارنة بعظمة الخلافة العثمانية وخلفائها ليسوا سوى هامش صغير جدا على أوراق التاريخ، والدرس الأكيد أن عمر الشعوب رغم سحلها وقهرها واضطهادها يبقى أطول من عمر الدول رغم استبدادها، استبداد عاشته الخلافة العثمانية ونذكره في دماء أجدادنا تحت دعوى رعاية دين الله، والله الغني المجيد عما يصفون، فلو اجتمع أهل الأرض على قلب أشد الناس كفرا ما نقص في ملك الله شيء، فالذي يبقى ليست (دعاوى رعاية دين الله)، فالله غني عن ذلك، بل الباقي والماكث على هذه الأرض، كما أرشدنا محكم التنزيل هو (ما ينفع الناس) وما ينفعهم قطعا ليس (دعاوى الشريعة) يتلاعب بها المستبد والمزايدون عليه بين عنف باسم الشريعة وعنف مضاد باسم الشريعة أيضا، بل ما ينفعهم (مقاصد الدين) عدلا وكرامة والتي قد يجدها المسلمون في أقصى بلاد الغرب (الكافر)، وتعجز عنها كثيرٌ من دول الشرق (المسلم).