لا خلاف بين غير الإرهابيين ومنظريهم حول قبح الإرهاب، وعلى الرغم من ذلك، فإن هذا القبح يبقى نسبيا، عند النظر إلى وجود من يؤيد الإرهاب سرا أو جهرا، مما يسوغ تكريس صفة القبح في القبيح، كيلا يستحسنه المحايدون، ولا ينجرف إليه المذبذبون.

الشاعر حسن أحمد القرني، ذو نزعة إنسانية واضحة قائمة على الإنكار، ما يجعلها صدى مضادا لما يشهده من هدر حياة الإنسان، انطلاقا من أيديولوجيات يتوهم قوم أنها ذات أصل ديني نقي. يقول:

الله كان

فكان أبي

ثم كنت فمن أين أنتم؟!

ومن أين هذي الدماء؟!

إنما هذه الأرض لا تستطيع الكلام

رؤوس تنام على خصرها

بسفرٍ يرتله العابدون وقس يرتب إيقاعنا للفناء

فيدني ويقصي

ويغضب يعطف

يبكي ويضحك

يسبي وينكح

من أين جاؤوا؟

ومن أين جاء؟

كثير على العارفين الدماء

قلي على الغافلين النداء

على أول الباب لافتة للنفير

وفي آخر الباب شقراء

حين تراك ستصرخ: (صيف)..

وتنسل عن صوفها

هكذا حينما تستريح المعارك في آخر الليل

باسم الكتاب المقدس..

فلا شيء للشمس غير الدماء

ولا شيء لليل غير النساء

والعلاقة بين: الصورة، وما ترمز إليه علاقة حدسية، وليست حسية؛ مما يجعل خلق المعنى من خلال الصورة الشعرية، يعتمد على إيجاد علاقات داخلية غير منظورة، بين الصورة وما ترمز إليه، وعلى الرغم من ذلك، فإنه لا يحق للقارئ/ الناقد أن يقول عن صورة شعرية غير تقليدية: إنها تعني معنى محددا، ولا تعني غيره؛ لأن ذلك ينفي عنها صفة الإيحاء بالمعنى، إذ لو صارت تعني معنى واحدا، ما بقيت موحية.

وهنا يظهر رفض الإرهاب بتقبيحه من خلال ربط القتل بالرغبات الجنسية الشهوانية، إذ يتجلى الشبق في: نكاح السبايا، وفي كون النهار وقت القتل وإراقة الدماء، فيما الليل وقت مضاجعة النساء، اللاتي ثمنهن الدماء، وتلك درجة عالية في تقبيح الفعل، وبالتالي تقبيح الهدف الشهواني في أعين الأسوياء.

ومن الصورتين، تنبثق صورة ذهنية خفية آتية من الربط بالـ"نمط"؛ فمن البدهي أن يذهب تفكير المتلقي إلى ما يعتقده الإرهابيون الانتحاريون من دخولهم الجنة بلا حساب، ليجدوا فيها الحور العين، وهو اعتقاد تحول إلى صورة نمطية عنهم، ومرد ذلك ما غرسه منظروهم في أذهانهم، مستغلين شغف الشباب بالجنس. وأقول: بالجنس، ولم أقل: بالنساء؛ لأن أدبيات الجماعات الإرهابية ترتكز على أن المرأة أداة استمتاع بالجنس وحسب، فهي إما: سبية، أو مجاهدة بالنكاح، أو واحدة من الحور العين.

وواضح أن الشاعر يحاول الهروب من وصم الإسلام بهذه الصفات القبيحة، باستخدام لفظة: "قس"، عوضا عن: "شيخ"، وباستخدام مصطلحي: "الكتاب المقدس"، و"سفر"، وهو هروب غير مجدٍ؛ إذ ستدرك الأذهان أنه يقصد الإرهاب الذي يعتسف النصوص الإسلامية، على الرغم من أن جوهر الإسلام الإلهي يختلف عن نهج الإرهابيين اختلاف افتراق، ومما يؤيد القول بأن الشاعر يعني الإرهاب المستتر بالإسلام، استخدامه – وهو شاعر مسلم - ضمير المتكلمين، في قوله: "وقس يرتب إيقاعنا للفناء"، فضلا عن أننا نستطيع من خلال السياق أن نفهم أن الخروج يعني تفرعا شاذا عن أصل، والأصل هو عصمة الدماء، فمن أين جاء هؤلاء الدمويون؟