جاء في الحديث عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود)، والأحاديث المروية في إقالة الهيئات عثراتهم ليست على درجة واحدة، لا من حيث الثبوت، ولا من حيث الدلالة، ولهذا اختلفت أقوال علماء المسلمين في الحكم عليها والاستنباط منها، إلا أن السائد في الخطاب الديني اليوم هو أن المقصود بذوي الهيئات في الحديث، المنتفعون من إسقاط العقوبة أو تخفيفها، وليس أصحاب الأموال أو القوة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وإنما أهل الرفعة من أهل القرآن والعلم والآداب الإسلامية!.
أما البعض الآخر من رجال الدين فيرى أن المقصود بذوي الهيئات "أنهم ذوو الأقدار بين الناس من الجاه والشرف والسؤدد، فإن الله تعالى خصهم بنوع تكريم وتفضيل على بني جنسهم، فمن كان منهم مستورًا مشهورًا بالخير حتى كبا به جواده، ونبا عضب صبره، وأديل عليه شيطانه، فلا نسارع إلى تأنيبه وعقوبته، بل تقال عثرته ما لم يكن حدًّا من حدود الله"، وذلك استناداً إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم (إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرق لقطعت يدها).
وبناءً على ما سبق، أطرح التساؤل التالي: هل هناك حصانة قضائية لرجال الدين وكذلك كبار المسؤولين في الجهات الحكومية؟ وهل لدينا ثقافة اجتماعية لا تحاسب خاصة الناس، وبالتالي هذا ما يفسر غياب المساءلة؟.. هذا في الحقيقة ما تطرق إليه علماء الاجتماع، يقول الدكتور علي الوردي رحمه الله ما نصه "الغريب أن نراهم يستنزلون غضب الله على رأس ذلك الفقير الذي يغازل جارية من الجواري، بينما هم يباركون للغني ويهنئونه على تلك الجواري اللواتي اشتراهن بماله من السوق، كأن الفرق بين الحلال والحرام في نظر هؤلاء هو الفرق بين وجود المال وعدمه"، وهذا ما نراه أيضاً في القانون الإداري، عندما يتم غض الطرف عن مخالفات المسؤول الإداري أو كبار الموظفين، والاكتفاء بإلغاء القرارات الإدارية من باب الحفاظ على هيبة الإدارة دون أي عقاب للمسؤول!.
وتأسيساً على ما تقدم، ونتيجةً لتلك الثقافة الاجتماعية تم فهم الحديث (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود")، على أساس إعفاء رجال الدين أو ذوي المنزلة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية من العقوبات وعدم محاسبتهم، ويستدلون على ذلك بالحصانة القضائية، بالإضافة إلى أن القوانين الوضعية في العديد من الدول العربية والأوروبية قد أخذت بنظام وقف تنفيذ العقوبات من خلال إعطاء القاضي صلاحية وقف التنفيذ، خاصةً إذا كان الجاني له من أخلاقه وماضيه ما يبعث على الاعتقاد بأنه لن يعود إلى مخالفة القانون، بمعنى انتفاء الخطورة الإجرامية للجاني.
من المعلوم أن كل فهم وتفسير لنص ديني معين يقوم على أساس رؤية وفرضية مسبقة، وبما أن الرؤى والتصورات المسبقة تكون مستقاة من الثقافة الاجتماعية السائدة فإن القراءة للنص تكون على هذا الأساس، بمعنى أن الشخص الذي يريد تفسير النص الديني يطرح فرضية تنسجم مع أحكامه المسبقة، ثم يطرح الدليل على صحة تلك الفرضية، وهذا ما حدث مع تفسير أو فهم حديث "أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم" حتى أصبح ذلك الفهم قاعدة فقهية شرعية لا محيص عنها، حيث إن ذلك الفهم يستند إلى أساس تعظيم القوي واحتقار الضعيف.
إن مفهوم الحديث فيه رفع المؤاخذة بالخطأ والذنب الذي ليس فيه حد إذا صدر عمن لم يكن من عادته ذلك، سواء كان غنياً أو فقيراً، وسواء كان رجلاً تقياً أو غير ذلك، فالحديث ينطبق على جميع الناس بدون استثناء، بالإضافة إلى أن الحديث لا يسقط حقوق الناس أو ظلمهم وقذفهم أو أكل أموالهم بالباطل، وإنما الحديث فيه ترغيب ودعوة للناس عموماً إلى العفو والصفح والتسامح بينهم.
كما أن الأنظمة القانونية الحديثة تسعى إلى ملاءمة العقوبة لشخص الجاني وظروفه الشخصية والاجتماعية، بالإضافة إلى تدرج العقوبات الجزائية حسب المخالفة إذا كانت جسيمة أو بسيطة، لذلك أعطي القاضي سلطة في اعتماد وسائل العفو القضائي وبدائل العقوبات الجنائية المختلفة بما يتناسب مع قضية المتهم، ولكن ليس على حساب حقوق الآخرين أو استثناء الجاني من المساءلة والمحاسبة.
أما فيما يتعلق بالحصانة القضائية وغيرها فهي لا تعني ألا يطبق القانون بحق من منح الحصانة، بل يسري القانون على الجميع بلا استثناء، ولكن هناك إجراءات أخرى تضمن سلامة العمل القضائي ونزاهته، فلا يفرض على القضاة شيء يؤثر على استقلاليتهم، وبالتالي التأثير على عملهم، وهذا ما ينطبق على أنواع الحصانات الأخرى كالحصانة الدبلوماسية والبرلمانية، فليس هناك استثناء لأي كائن من كان من المحاسبة والمساءلة، وإنما الاختلاف فقط في إجراءات المحاكمة والتي تتطلب شروط وضوابط معينة، وليست كما يفهمها البعض استثناء من المساءلة أو المحاسبة، والقانون يطبق على القاصي والداني .. ولكن كيف يكون هذا التطبيق؟.