هذا عنوان كتاب للمفكر والكاتب وأستاذ الإعلام المعروف زين العابدين الركابي.. تناول فيه، بأسلوبه الأنيق ونظراته العميقة ومنهجه التأصيلي أصالة الفكر وعمق الإيمان ونزعة التحديث في شخصية الأمير سلمان بن عبدالعزيز. مع الوقوف، طويلا، على ملامح ما ورثه (الفرع) عن (الأصل) واستمرار الخصال المتشابهة وتجلياتها في "الفرع" مع تفاعله الإيجابي مع معطيات عصره.

قال في مقدمته إن "هذا الكتاب (اكتشاف في الجانب الآخر) من رجل قدر لي أن أقترب منه وأعرفه معرفة مباشرة موسعة، وأن أتعامل معه في مستوى فكري، ملؤه الجد والحرية والتشاور والشفافية والاختلاف الرفيع أحياناً".

وهذا التواصل والاقتراب والعلاقة الفكرية المبنية على الاحترام والتقدير وحق "الاختلاف الرفيع" هي التي تعطي الكتابة عن الشخصيات العامة المصداقية والموثوقية وتجعلها جديرة بالاحتفاء، وتزداد قيمتها "العلمية" عندما يكون صاحبها من أهل الرأي والاعتدال والإنصاف والقدرة على رصد التميز والتعبير عنه بمودة لا تحجب الحقائق.. الكثيرون عرفوا الأمير سلمان وتواصلوا معه، وإن بدرجات متفاوتة زمنا ومساحة، قربا وبعدا، فهو المعروف بتواصله مع جميع أطياف الناس كما عرف ـ بصفة خاصة ـ بعلاقته مع أهل الفكر والرأي والإعلام والمهتمين بالشأن العام على الصعيدين المحلي والدولي، لكن القليلين الذين يملكون موهبة رصد السمات واتصالها بالجذور.

والكتابة عن الشخصيات العامة وعلاقة رجال الفكر والثقافة برجال الحكم تكتنفها محاذير وتغشاها ظلال وتعتريها شكوك تخرجها من دائرة الكتابة المعتبرة المحترمة لتدخلها في نفق الشك والريبة وتكسوها ثياب التزلف وتتهم أصحابها بالتقرب من أصحاب النفوذ والسلطة طلباً لمنفعة أو دفعاً لضرر، وهكذا تفرغ الكثير من الأعمال والدراسات من إطارها الموضوعي المحترم إلى الأغراض الذاتية فاقدة الأصالة والعلمية..

وقد أدرك الكاتب هذه "الإشكالية" فعالجها ـ كعادته ـ بتحليل دواعيها وفحص الأسباب المتناقضة التي أكسبتها "السمعة السيئة". فيقول: "هل الأصل في العلاقة بين المثقف ورجالات الحكم أن تكون علاقة جفاء ونكد وتربص وعداوة ـ ظاهرة أو مكتومة؟ ـ.. ومن قال هذا؟ وما هي القاعدة العلمية الموضوعية التي يستند إليها هذا القول؟. وللصدق والواقعية حضورهما وحكمهما في هذه القضية.. فنحن نعلم وغيرنا يعلم أن الكثيرين من المثقفين والمفكرين في الوطن العربي والعالم الإسلامي والعالم كله لهم علاقات برجالات الحكم على هذا المستوى أو ذاك .. هذه ظاهرة لا يستطيع أحد نكرانها ـ ومعه عقله وضميره ـ ولقد اقترنت الظاهرة بظاهرة أخرى هي أن الناس قد تعودوا على أن تكون هذه العلاقة (مكتومة) أو (خجلى)، سواء أكان هؤلاء الناس هم أصحاب العلاقة المباشرة المعنية أم كانوا رأياً عاماً .. ولماذا التعود على أن تكون العلاقة مكتومة بين المثقفين ورجالات الحكم؟ هل هي (علاقة سرية) يجب كتمانها أبداً؟ أو هي بالضرورة (تواطؤ) على الإثم والعدوان يخشى أن يفتضح؟".

وبعد هذه التساؤلات المشروعة والواقعية التي لا تتجاهل ما يراه الناس من نماذج سيئة وما يفكرون فيه وما يخلعونه على علاقة المثقف برجل السلطة ينتهي الأستاذ الركابي إلى أن علاقة المثقف برجل السلطة ـ إذا أريد لها أن تكون صحية نافعة قوية ـ تقوم على ثلاثة محاور: الوضوح والاحترام المتبادل واستحضار و"تجديد الوعي بمفهوم الأخوة ومقتضاها"، ثم التجانس الفكري".. وبهذا التصور والفهم نشأت علاقة بيني وبين الأمير سلمان بن عبدالعزيز وتوفرت أسبابها وأعطت ثمارها: "علاقة قوية واسعة لا تستغرب ولا تستنكر .. وكذلك ينبغي أن يكون الحال بين المثقفين ورجالات الحكم".

هذه المناقشة لإشكالية علاقة المثقف برجل الحكم كانت ضرورية ـ من وجهة نظري ـ كمدخل طبيعي لهذا العمل الذي يبحث في الجانب الآخر لشخصية الأمير سلمان، فهو جانب غني وثري والحديث عنه من منطلق الإعجاب والتقدير، قبل بيان الأسس التي قامت عليها علاقة الباحث بنموذجه والمبادئ التي تحكمها، قد يفسد المقصد ويشوش على الموضوعية ويسيء إلى النتائج المستخلصة. ولهذا بدت هذه المعالجة مرتبطة "عضوياً" بما تلاها من وقفات على: "امتداد" خصال "الأصل" الملك عبدالعزيز ـ رحمه الله ـ إلى "الفرع" الأمير سلمان، انسجاماً مع الصفة الكونية التي تجعل الأبناء امتداداً طبيعياً للآباء. ثم يرصد الكاتب "الخصائص المشتركة" بين الأصل والفرع فيجعلها عشراً تنبع من "الذكاء" بكل ما يعنيه من توقد الذهن وسرعة الخاطر وشعاع الفطنة إلى بعد النظر وتأمل العواقب ثم قوة الذاكرة التي هي من "سمات الزعامة الموفقة"، وقبل ذلك وبعده، قوة الإيمان، فهذا كما كان مفتاح شخصية الملك عبدالعزيز هو ذاته مفتاح شخصية الأمير سلمان التي تعنى بالوقت وتمتاز بالتنوع الثقافي والشغف بالمعرفة والاطلاع المتجدد المتنوع.. كان الملك عبدالعزيز ـ رحمه الله ـ مطلعا على ثقافة عصر، يقرأ ويقرأ له في التفسير والفقه والتاريخ ويتابع ما يجري من خلال الإذاعات والصحف في حضره وسفره. وهكذا الأمير سلمان فهو متابع دؤوب لما ينشر على المستوى المحلي والخارجي، يقرأ بتمعن ويناقش بفهم ويعارض وينقد بوعي. اشتهر ولعه بالتاريخ فهو عاشق له محتف به لا يمل من تأمل دروسه وعبره، يقتني نفائسه ويحرص على جمع فرائده. "أستطيع أن أقول إنني قرأت معظم ما صدر أو ترجم عن الملك عبدالعزيز". والملك عبدالعزيز ـ رحمه الله ـ فهم طبيعة الدولة ومكانتها، وكان من مقتضيات هذا الفهم العمل على حمايتها وحفظ حقوق أهلها وصون دمائهم وأعراضهم. وكان لا يسامح في ثلاث: العقيدة ومكانة الدولة وأمنها وحقوق الناس. وعرف الأمير سلمان ـ في أحاديثه وحواراته ـ بتأكيد هذه المعاني "الملك عبدالعزيز قام على هذا المنهج الذي حفظ هذه الدولة، أليس نادرا في التاريخ أن تسقط دولة ثم تقوم ثم تسقط ثم تقوم ثلاث مرات؟ السر في ذلك أنها تقوم على التوحيد ودعوة التوحيد".. ويتأمل الكاتب مفهوم التنوير الديني لدى الأمير سلمان لينتهي إلى أنه يكمن في: الإبداع تحت "لا إله إلا الله"، أي الاعتزاز بالدين مع "الإيمان بقوة الإنسان الهائلة على التفكير". ثم يعرج على علاقة النظرية بالتطبيق ضاربا المثل بالإبداع المعماري الذي قاده الأمير سلمان في الرياض ثم موقفه ونظرته من الحضارة ونقده البصير لما يردده بعض الناس دون أن يفطنوا إلى مخالفته لمسيرة حضارة الإسلام...

الكتاب، في تقديري، "تحية عاقلة" من رجل محب معجب يريد أن يعبر عن قناعاته وإعجابه بهذه الشخصية الكبيرة وينقل هذا الإعجاب إلى الناس دون أن يفقد احترام المفكر وجلال الكلمة ومسؤوليتها، وأعتقد أنه فعل ذلك باقتدار يليق بشخصية الأمير الجليل.