من الناس من يكون له هوى في شيء محرم، فيبحث عن أي دليل - وإن لم يكن فيه دلالة على مراده - ليجعله حجة له، يفعل ذلك ليُوهم نفسه وغيره صواب فعله، وهو بهذا يُخادع نفسه، وهذا المسلك الخاطئ - اعتقد ثم استدل - سار عليه كثير من أهل الشبهات والشهوات هداهم الله.

فأهل الشبهات (من أهل الغلو في الدين) عندهم معتقدٌ فاسد وحقدٌ وغلٌ وعُقدٌ نفسية، وكُرهٌ للمجتمع والدولة، فيبحثون عما يتوهمونه أدلة تسوِّغ لهم الاعتداء والتكفير والتفجير، وإذا سمعوا أدلةً صحيحة صريحة تبطل ما أرادوا تقريره، ضاقت عليهم أنفسهم، وحاصوا حيصة الحُمُر، لأنهم لا يريدون أدلةً تخالف عقائدهم المنحرفة، وما عزموا على فعله من إجرام، ولهذا فاستدلالهم بالدين كاذب، وهم من أبعد الناس عنه، وقد وصف النبي عليه الصلاة والسلام الخوارج بالمروق من الدين، مع اجتهادهم في العبادة وقراءة القرآن، كما في الحديث الصحيح (يخرج فيكم قوم تَحْقِرُون صلاتكم مع صلاتهم، وَصيامكم مع صيامهم، وعملكم مع عملهم، يقرؤون القرآن لَا يُجَاوِز حناجرهم، يَمْرُقُونَ من الدين كما يَمْرُقُ السهم من الرَّمِيَّة)، وخوارج زماننا أشد مروقا من الخوارج الأولين، فليسوا أهل عبادة وقراءة للقرآن، وإنما هم مع سوء اعتقادهم، وخلوهم من الدين، وبعدهم عن العبادة، لصوصٌ وقطاع طرق، وعصابات إجرام، جمعوا حيل اليهود وخبثهم، وكذب المنافقين، وتحريف الزنادقة.

وأما أهل الشهوات (من أهل التفلت) فهم وإن كانوا لا يُقارنون بالخوارج كما هو معلوم، إلا أن بعضهم كذلك يستدلون على معاصيهم بما ليس بحجة، وذلك أن عندهم ميلا إلى الملذات المحرمة، ويرغبون أن تكون واقعا مُعاشا، وأن يميل الناس إليهم كما قال تعالى (ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما)، فيبحثون عما يتوهمونه حجة شرعية، ولكونهم لا علم لهم بالشريعة، صاروا يلجؤون إلى الاستدلال بعبارة (فيه خلاف)، وكأن هذه العبارة من وحي السماء، ولو قلتَ لأحدهم ما دليل من تحتج بقوله، وما جوابه عن دليل مُخالِفه؟ لما عرف الجواب، وإنما يعرف فقط الفتوى التي توافق هواه فيأخذها ويَدَع ما سواها، وإلا فلا شأن له في الأدلة من قريب ولا من بعيد، وبعضهم يلجأ إلى احتواء من كان له سابق اهتمام في العلم وحضور المحاضرات الشرعية - هداهم الله- ممن أمَرَّتهم السنون ولما يَبْرُزوا، أو ربما أصابتهم فتنة، فانقلبوا على وجوههم، أو تعرضوا لمواقف، أو غير ذلك، ليبحثوا لهم عن الشذوذات، وزلات العلماء، في مطاوي الكتب، وبعض أهل الشهوات يمدونهم في الغي، ويظهرونهم ويحتفون بهم، ويُغدقون عليهم نعوت الوسطية والاعتدال وسعة الأفق، ليزيدوا في البحث لهم عن الشذوذات، والخلافات التي توافق أهواءهم، ولو اكتفوا باتباع شهواتهم، دون إضفاء الشرعية عليها، لكان أقل إثما من فعلها مع تلك الحيل.

ويعلم كل مسلم سلم من الأهواء أنه لا يصح أن يترك العمل بالنصوص الشرعية لوجود الخلاف، ولا أن تكون عبارة ( فيه خلاف) ترسا تعطل به النصوص الشرعية، فالخلاف يُرَد إلى الكتاب والسنة، وليس حكم الله يُرد إلى خلاف العلماء، قال تعالى (وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله)، وقال تعالى (فَإِن تنازعتم فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى الله وَالرَّسُولِ إِن كنتم تؤمنون بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذلك خَيْرٌ وأحسن تأويلا).

وتعليل الأحكام - كما يقول ابن تيمية - بالخلاف علة باطلة في الأمر نفسه، فإن الخلاف ليس من الصفات التي يُعلق الشارع بها الأحكام في الأمر نفسه، فإن ذلك وصف حادث بعد النبي صلى الله عليه وسلم.

فمادام الخلاف حادثا بعد النبي عليه الصلاة والسلام، بل وبعد القرون المفضلة، فكيف يكون حجة؟

ولهذا يقول ابن عبدالبر المالكي (الاختلاف ليس بحجة عند أحد علمته من فقهاء الأمة، إلا من لا بصر له ولا معرفة عنده، ولا حجة في قوله).

وما من مسألة في الغالب إلا وفيها خلاف، أفندَع كتاب ربنا وسنة نبينا عليه الصلاة والسلام لأجل وجود الخلاف؟ وإذا كان العالم المجتهد الذي بذل وسعه وأخطأ في عدم العمل بالحديث معذورا، لعدم بلوغ الحديث له، أو عدم ثبوته عنده، أو لغير ذلك من الأسباب، فإن ذلك ليس عذرا لغيره ممن بلغه الحديث وصحته، وليس لأحدٍ حجة في ترك ما دلّ عليه الدليل، لكون المسألة فيها خلاف، أو ليس فيها إجماع.

وفي هذا يقول ابن حزم (ولو أن امرأً لا يأخذ إلا بما اجتمعت عليه الأمة فقط، ويترك كل ما اختلفوا فيه، مما قد جاءت فيه النصوص لكان فاسقا بإجماع الأمة).

فالمتعين على المسلم اتباع الدليل، وترك الشذوذات، وزلات العلماء.

وقد أورد الذهبي وابن كثير عن القاضي إسماعيل بن إسحاق، قال (دخلت يوماً على المعتضد، فدفع إليَّ كتاباً فقرأته، فإذا قد جُمِعَ له فيه الرخص من زلل العلماء، فقلت: يا أمير المؤمنين، إنما جمع هذا زنديق، فقال: كيف؟ فقلت: إن من أباح النبيذ لم يبح المتعة، ومن أباح الغناء لم يبح النبيذ، ومن جمع زلل العلماء، ثم أخذ بها ذهب دينه، فأمر بتحريق الكتاب).

فليتق الله من يجعلون الخلاف مطية لاستحلال ما حرم الله، وليتذكروا أن ما عند الله لا يُنال بمعصيته، وأن ربنا سبحانه سيسألنا عن إجابتنا المرسلين، فيقول عز وجل (ماذا أجبتم المرسلين)، وليس ماذا أجبتم خلاف العلماء، وليحذر مَن اتخذه أهل الشهوات مطية لتسويغ واقعٍ محرم أن يبني مستقبله على العز الكاذب، بنشر الشذوذ والأغاليط، فإن العلماء عرفوها قبله، وهجروها لمخالفتها الأدلة، فلا يبعثها من مرقدها، وكأنه عرف ما خفي على العلماء، ولأن يكون الإنسان تابعا في الحق، خير له من أن يكون رأسا في الضلالة.