الكتب الحقيقية تساعد على "العصف الذهني"، وكذلك كانت كتب كثير من المفكرين العرب التي تحدثت عن واقع العقل العربي ونقد التراث الفكري له، وكذلك كانت مئات المؤتمرات والندوات الفكرية التي خرج منها مئات الكتب منذ ساطع الحصري وزكي الأرسوزي، وقبلهما عبدالرحمن الكواكبي في كتابه "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد"، وصولا إلى الجيل الجديد لحسين مروة ثم الجابري وجلال العظم وفرج فودة وهشام جعيط وغيرهم كثير، وكل ذلك من أجل العصف الذهني، لكن بضع سنوات فقط عصفت بالدماء على الخريطة العربية وبطريقة القاعدة وداعش اختصرت من الدروس ما احتاج معه كثير من المفكرين إلى عقود لإيصاله إلى فئة قليلة من مجتمعهم دون التأثير الواسع الحاصل الآن، فالنموذج الذي غذته حكايات الوعاظ عن مفهوم الجهاد وأحلام دولة الخلافة شاهده الناس بشكل حي فيما تصنعه داعش، ولهذا لم يعد هناك إشكال أو حاجة حقيقية وعميقة لنقد فكرة "الخلافة الإسلامية"، فيكفي إعادة طباعة بضعة كتب وعلى رأسها كتاب علي عبدالرازق "الإسلام وأصول الحكم" وتسهيل وصولها إلى الناس بنفس السهولة التي كان يتم بها توفير كتب سيد قطب والمودودي، فالحل ليس في منع كتب معينة، بقدر ما الحل في إتاحة جميع الكتب، لتعيش كتب الفكر نفس حرية وتنوع كتب الطبخ.
إذاً فما الذي بقي ليقال عن مشكلة المتطرفين مع فكرة "الخلافة الإسلامية"؟ المشكلة الباقية التي لن تنتهي هي في السؤال الأكثر عمقا لنقاش القضية، وهو: هل دافع الشباب فعلا هو نموذج الخلافة الإسلامية لكونها دينية وفيها كما يختزل المشهد أحيانا الشبق للحور العين، أم لكونها نموذجا للحرية والعدل والكرامة والمساواة والمشاركة في القرار؟
كل الذين كتبوا عن المشهد الإيراني أيام الشاه ذكروا محاولات لبعض الملالي سبقت محاولة الخميني، وفشلت في تحريك الشارع الإيراني للثورة، ولم يكن لها أثر، والتحليل المادي الواقعي للثورة الإيرانية يوضح أن خطأ هؤلاء كان إنكارهم على الشاه في مسائل دينية لا علاقة لها بسياسة واقتصاد البلد، بينما رهان الخميني لم يكن في تكرار هذه النغمة القديمة في اعتراض الملالي على المنكرات الدينية، بل إن الخميني تفوق على البقية في استدماج القضايا الاقتصادية والسياسية في داخل الإنكار الديني، فكان يتحدث عن الاستبداد السياسي والفساد الاقتصادي، حيث كان الواقع الإيراني كما ذكر إحسان نراغي في كتابه الثمين "من بلاط الشاه إلى سجون الثورة"، يختبئ أمير أو أميرة من أسرة الشاه خلف كل المشاريع الاقتصادية الكبرى في إيران، بل وأوضح في كتابه أن ميزانية إيران كانت تصدر بنسختين، إحداهما لعموم الناس، والحقيقية تعرض على الشاه وفيها يظهر نفوذ المتنفذين وحصصهم الحقيقية في الميزانية.
وفي واقعنا العربي نرى الخطأ الذي جمع زين العابدين بن علي وحسني مبارك والقذافي وعلي صالح وبشار الأسد هو الاستبداد، هذا الاستبداد الذي راكم أخطاء صدام حسين داخليا وخارجيا فقاده إلى المشنقة، مما جعل البقية يتواضعون في استبدادهم وكبريائهم الدولي، فعقدوا الصفقات والتحالفات وتخلوا كثيرا حتى عن كبريائهم الشخصي بين دول العالم، لكنهم حافظوا على نفس الاستبداد داخليا، والسبب باختصار شديد أن المستبد يرى أنه هو العراق، كما كان يرى صدام نفسه، وهو ليبيا كما كان القذافي يرى نفسه... إلخ، ولا يستطيع تخيل نفسه غير ذلك، ولهذا فالاستبداد يهدم في سنة ما بناه بيديه في عقود من أجل شهوة السلطة.
الكثير يسخر من شهوة السلطة، والمراقب لهذه المسألة يكتشف أنها أخطر على بعض العقول من إدمان الكوكايين، فلو أتيحت الفرصة لمعمر القذافي مثل ما أتيحت لبشار الأسد لكان بشار مجرد بركة صغيرة من الدم مقابل بحر الدم الذي لن يتوانى القذافي عن سفكه في سبيل نفسه، فبشار مهما كان متهما يبقى مجرد رأس حربة لنظامٍ حَكَم سورية لعقود، وقد حاول طرح مشاريع إصلاح شكلية لم تكن كافية، والواقع العربي يشهد في ربيعه أن الاستثناء الوحيد كانت المغرب في جدية إصلاحاتها السياسية والاقتصادية، وما زالت تراهن على شفافيتها ومهارة قيادتها السياسية التي انحازت للشعب وإرادته، فإن نجحت فقد نجحت "القيادة والشعب على حد سواء"، وإن فشلت ـــ لا سمح الله ــــ فيدها بيد الشعب شركاء في الغنم والغرم، لا يلوم أحدهما الآخر، بدلا من الانحياز إلى رهانات التسويف التي ترفع تكلفة الثمن المؤجل لاستحقاقات المواطنة، تلك المواطنة التي يتجه لها أي بلد طبيعي يستنشق أكسجين العالم من حوله ويشاركه تفاصيله بشكل غير مسبوق، والمواثيق الدولية في كل يوم تؤكد أن العالم لا يريد أن يصبح قرية صغيرة، بل يريد أن يصبح غرفة واحدة، وسيكون الإرهاب جدري الأجساد الضعيفة، وأي بلد يشفى منه ستبقى على وجهه حفر الجدري العميقة.
قد يحتج البعض ممتدحا تجربة الإمارات العربية المتحدة، غافلين عن عمر الإمارات العربية كدولة، وأنه ما زال غضا طريا، رغم كل النضارة والبهاء التي تشد "البصر" إليها، ويبقى السؤال: هل استطاعت أن تحقق ما يشد "البصيرة"؟ لأن البصيرة لا تعترف إلا بقانون الزمن كفيصل صارم أحال عدن إلى ميناء شبه مهجور، وقد كانت بعمر الزمن ثاني أهم ميناء عالمي بعد نيويورك، فالرهان على نضج التجربة الإنسانية عبر عقود طويلة تتجاوز تاريخ الأفراد، لتترسخ في الوجدان والعقل الجمعي كتاريخ شعب وصولا إلى ما يسمى "الحضارة"، والإمارات العربية المتحدة نجحت قطعا في السير الحثيث نحو "المدنية/ التمدن" وقد قطعت شوطا كبيرا في ذلك.