قام الدكتور إمام عبدالفتاح إمام في سلسلته الفلاسفة والمرأة بجهد عظيم لإثبات أن الصورة السيئة للمرأة في عالمنا الإسلامي هي صورة رسمها الفلاسفة اليونان، ولقت ترحيبا من المسلمين حتى إنهم جعلوا تلك الصورة تبدو كحقيقة دينية يجب المحافظة على وجودها والتعامل مع النساء من منطلقها.

ذلك يطرح تساؤلا كبيرا حول دور الرجال في تحويل أفكارهم حول النساء إلى قناعات دينية مقدسة، مجرد طرح النقاش حولها هو محاولة لخدش قدسيتها أو خيانة للدين وسقوط في براثن التغريب.

في التراث الإسلامي هناك مئات الأحاديث التي دارت حولها نقاشات كبيرة وترتبط بمكانة المرأة وقدراتها وحقوقها، ربما أبرزها هو الحديث الذي رواه الإمام البخاري، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: (لَقَدْ نَفَعَنِي اللَّهُ بِكَلِمَةٍ سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَّامَ الْجَمَلِ بَعْدَ مَا كِدْتُ أَنْ أَلْحَقَ بِأَصْحَابِ الْجَمَلِ فَأُقَاتِلَ مَعَهُمْ. قَالَ: لَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ أَهْلَ فَارِسَ قَدْ مَلَّكُوا عَلَيْهِمْ بِنْتَ كِسْرَى قَالَ: لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً).

الرافضون لهذا الحديث لديهم أسئلة جديرة بالنقاش، فراوي الحديث أبو بكرة ثابت أنه أصاب حدّاً في الإسلام، وهو بالمناسبة حد قذف امرأة مسلمة، وجلد في ذلك، ونص الآية في حد المقذوف هو عدم قبول شهادة من قذف، يقول تعالى (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ).

لكن الكثير ممن اعتبر هذا الحديث حجة قال إن أبا بكرة صحابي والصحابة عدول، وهو لم يصرح بالقذف الخ من الأعذار التي أقنعتهم بقبول روايته واستثنائه من نص قرآني واضح جداً.

أيضا تساءل من رد الحديث عن أنه حديث لم يروه سوى رجل واحد هو أبو بكرة، وهو أيضا صمت عن روايته ما يقرب من أكثر من خمسة وعشرين عاما، فمن نص الحديث هو لم يتذكره إلا قبيل معركة الجمل، وجعله سببا في رفضه معاونة عائشة -رضي الله عنها- في خروجها المعروف قبيل المعركة، وهو هنا كأنما يشير إلى أنه تذكر هذا الحديث، فعلم أنه سيخيب إذا تبع عائشة وخرج معها.

الغريب أن خروج عائشة -رضي الله عنها- أدى بعد ذلك لانتصار معاوية، والذي خرج معها، مما يحمل تساؤلا آخر هل حقاً خاب من خرج معها؟

لقد ذكر القرآن بالكثير من التقدير بلقيس ملكة سبأ، وأثبت حكمتها وقصر نظر الرجال من حولها، فهل لو كان حكم النساء وتوليهن المناصب القيادية يؤدي إلى مفاسد كما يقال، هل سيسكت عنه القرآن ولا يترك صلى الله عليه وسلم سوى نص واحد لنا يصاحبه كل هذه التساؤلات، بل راويه وقع بنفسه في أزمة خطيرة، بل نص روايته يشير إلى موقف شخصي من استقلالية عائشة، رضي الله عنها؟

هل نحتاج لمراجعة الفقه الإسلامي، خاصة أننا نحتج دائما أن فقهنا الإسلامي مرن ومتطور ويقبل التغيير مع المحافظة على المبادئ؟ فلماذا لا نعيد دراسة المسائل، خاصة التي تتناول المرأة ووضعها بمنظور القرن الواحد والعشرين؟