فتحت موقع جامعتي البريطانية لزيارة المكتبة الرقمية فاسترعى انتباهي رابط وضعته الجامعة في أعلى الصفحة المخصصة للطلاب يستعرض تعليقات عدد من أكاديميي الجامعة حول تقرير مهني أكاديمي لهيئة الإذاعة البريطانية BBC. حيث قامت الإذاعة مؤخرًا بنشر نتائج دراسة للسوق جمعت بياناتها في الفترة من 2013 حتى 2015. سعت هذه الدراسة لقراءة عدة مؤشرات في سوق العمل البريطاني بين الموظفين منها أثر الخلفية التعليمية والمادية في المستقبل الوظيفي.

فعلى سبيل المثال، قارن التقرير بين الموظفين الذين يعودون لأسر متوسطة الحال ونظرائهم من الأسر الثرية. وجد التقرير أن الفرق في الدخل يتنامى بين الموظفين بناءً على مستوى ثراء الأسر التي يعودون لها. بلغة الأرقام متوسط الدخل السنوي للموظف من أسرة ثرية يزيد بحوالي 6800£ عن زميله من أسرة فقيرة على الرغم من تساويهم في المؤهلات. أوضح التقرير الذي أشرفت عليه لجنة الحراك الاجتماعي في الكلية الملكية بلندن إلى أن متوسط الفرق في الدخل السنوي بين الفئتين قد يصل إلى 17% حيث سجّل الفرق بين الأطباء من الفئتين 10218£، بينما الفرق في دخل المتخصصين في مجال تقنية المعلومات 4736 £.

علّق أحد الباحثين مبينا أن هذه الفجوة توضِّح أن آلية التوظيف في المجتمع لا زالت نخبوية للغاية وتسهم في زيادة الفجوة بين الطبقات الاجتماعية عوضًا عن ردمها، في رأيي أن هذا قد يفوّت الفرصة على بعض المستحقين لاعتبارات لا علاقة لها بالكفاءة.

أشار التقرير أيضًا إلى أن بعض التخصصات الجامعية أصبحت حكرًا على أبناء الميسورين لارتفاع رسومها على أبناء الأسر متوسطة الحال، من هذه التخصصات الصحافة والطب والقانون. أبدى عدد من الأكاديميين قلقهم من هذا التقرير لأن احتكار الوظائف التي تعتني بالإنسان بالمقام الأول من قبل الفئات الثرية سيجعل صوتها (نخبويًا) ويغيب فيها صوت الطبقة الأعرض في المجتمع وهي الطبقة المتوسطة ناهيك عن صوت الطبقة الأقل حظًا. أظن هذا القلق مبرر لأن رأي الإنسان في أي قضية ينبع من استشعاره لمشاكل المجتمع الذي يعيش فيه وأبناء الميسورين لا يتعرضون لما يتعرض له غيرهم من تحديات مادية أو اجتماعية، وبالتالي تكون رؤيتهم لهذه التحديات (ضبابية) وتعليقاتهم عليها اجتهادات لا تعبّر عن رأي صادق.

عندما لا يشعر الصحافي أو الطبيب أو القانوني بمشاكل مجتمعه ستزداد مشاكل البسطاء وتصعب السيطرة عليها وستستمر في النمو مثل كرة الثلج حتى تدمر ما أتت عليه. كما أن اضطرار الفقير للقبول بتخصص أقل من إمكانياته الأكاديمية والذهنية لأنه لا يستطيع دفع الرسوم يحرم المجتمع من عالِم محتمل في مجاله، فكم من موهبة فذة في مجال الطب أو الإعلام قد يخسر المجتمع بسبب نخبوية القبول. أنهت هيئة الإذاعة تغطيتها لهذا التقرير بمطالبة الجامعات بدور أكثر فعالية تجاه مبدأ تساوي الفرص في المجتمع بجميع شرائحه وألا يسمحوا للمال أو الجاه بأن يدير التعليم، وأن يكون الهدف هو منح كل شخص الفرصة التي تتفق مع استعداده و رغبته.

لم تتخذ الجامعات البريطانية دور المتفرج على هذا التقرير وفي نفس الوقت لم تخفض معاييرها الأكاديمية للقبول أو تغامر بخفض الرسوم والخسارة المادية، لكن بعد إدراك هذه التحديات دعت لرفع نسبة القبول ممن حقق الشروط في الشرائح الأقل تمثيلا في المجتمع من جميع الأعراق والطبقات ووضعت الحلول حيز التنفيذ. من الحلول التي تم اعتمادها في جامعتي مثلا ربط هذه التخصصات بسنوات تحضيرية متخصصة تضمن للطالب منحًا دراسية في حال الاجتياز أو تساعده في جدولة الرسوم وتخفيض القروض الدراسية المنهكة. هنا يجب أن نحمد الله على مجانية التعليم العالي الحكومي في بلادنا، وعلى المشروع التعليمي الاستثماري الأضخم على الإطلاق، مشروع الابتعاث الذي أنار السبيل لكثير من المتميزين وأتاح لهم فرصة التمكين المستحق المعتمد في أغلبه على جهد الشخص.

حقيقةً أكثر ما يلفت النظر في هذا التقرير هو الدور الحيوي الهام الذي يقوم به الإعلام والتعليم في الدول المتطورة والمتمثل في رصد الظواهر قبل استفحالها وتوعية المجتمع للتحديات المختلفة التي يواجهها حاليًا أو التي يتوقع مواجهتها في المستقبل، هذا الدور الهام الذي لا يقوم به إعلامنا للأسف، وتقوم به بعض جامعاتنا على استحياء وفي أضيق الحدود مع العلم بأن كل جامعاتنا تعتمد البحث العلمي عمودًا هامًا من أعمدة رسالتها في المجتمع وفي كل جامعة فيما أعرف عمادة للبحث العلمي.

إن البحث العلمي الحقيقي الذي يفترض أن يسهم في تحصين المجتمع وتوعيته وتمكين أفراده أعمق وأبلغ أثرًا من مؤتمر سنوي يناقش ظاهرةً ما مستهلًا بالديباجة المعهودة (س من التنظير إلى التطبيق) تلتقط فيه الصور للبوفيهات وللمحاضرين ثم تتلى في آخره التوصيات وينتهي بها الحال تائهة بين الأدراج مع توصيات المؤتمرات السابقة فلا استفدنا من المؤتمر ولا وفّرنا المصروفات.

على قادة المجتمع الأكاديمي مسؤولية عظيمة، وقد يكون من الأجدى ألا نناقش ما مضى كثيرًا، ولا نتحسر على عدد البحوث المتميزة التي لو استخدمت نتائجها في المجتمع لساهمت بلا شك في حراكه العلمي والمهني والثقافي، فالوقت المناسب تأخر كثيرا ولدينا (الآن) لننهض بدور الجامعات كبيوت مفترضة للخبرة في المجتمع تعتمد على البحث العلمي منطلقةً من حاجات المجتمع وتحدياته وتطلعاته.