احتدم الجدل واشتد الخلاف وتفاوتت الرؤى حول قضية تعيين وافدة عربية مستشارة علاقات عامة وإعلام ونحوه في إحدى المؤسسات.. والذي ترتب عليه تدخل الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد "نزاهة"، لتؤكد أنه "بموجب أنظمة الخدمة المدنية لا يجوز إشغال وظيفة بغير سعودي إلا إذا لم يتوفر سعودي لشغلها، وتعتبر الوظيفة شاغرة وعلى السعوديين التقدم لشغل الوظيفة فورا".
وفي حقيقة الأمر إن القضية أكبر من ذلك بكثير، وما قضية هذه المؤسسة إلا نموذج يتكرر في الكثير من المؤسسات، فذلك الخبر إن تم تسريبه وإعلانه بلا شك من عدد من المتضررين، فإن هناك الآلاف الذين لم يتم رصدهم والتشهير بهم، وكذلك كثير من القيادات الإدارية في القطاع الخاص التي يتصدرون مسؤولياتها وتيسير الأمور فيها، بل ويتحملون فيها مسؤولية توظيف المواطن الذي لم يكن عندهم محظوظا ومطلوبا، كما هو كذلك عند بني جلدته من المواطنين الذين يشاركونه الهوية والجنسية، والسبب أن أنظمة وزارة العمل تدعو إلى التوطين تنظيرا، بينما تُفعل نقيضه تنفيذا، سواء ما تضمنته من مواد ولوائح في نظام العمل كالمادة "77" وغيرها أو تصريحات قيادات وزارة العمل وقراراتها التي تنص على حظر فصل السعوديين بشكل جماعي من المنشآت، بما يشير إلى أنه بالإمكان فصلهم فُرادى، بينما يتُخذ قرار آخر بمنع الفصل الفردي على فترات متباعدة أو مختلفة، حتى أصبحنا لا نفهم فحواها ولا نثق بفاعليتها، لكوننا نشهد الضرر ونلمسه بين أبنائنا وبناتنا، ونتيجة لتلك الأنظمة المتناقضة التي لا تخدم الوطن والمواطنين بأي شكل، تسابقت مؤسسات القطاع الخاص في فصل المواطنين حدا للتكاليف، وانخفضت نسبة مساهمة الموارد البشرية المواطنة في القطاع الخاص إلى (16%) في حين استأثر غير المواطنين بنسبة (84%) من قوة العمل فيه، وذلك بناء على بيانات الهيئة العامة للإحصاء ومسح القوى العاملة لعام 2015، وذلك وللأسف بعد أكثر من 45 عاما من جهود التنمية الحثيثة والأموال الطائلة التي بُذلت بسخاء لتشمل مواردنا البشرية والبنية التحتية وكافة مقدراتنا الوطنية.
لا شك أن ذلك يُحتم علينا ويستدعي منّا وقفة تأمل وتدبر بفكر واع متفتح، يملؤه الحس الوطني من جهة، وبُغية التطوير والارتقاء بهذا الوطن في جميع مقدراته البشرية والمادية من جهة أخرى، مع الأخذ في الاعتبار وبجدية وبإيمان كامل بأن الأوطان لن تنهض ولن تقوم لها قائمة إلا بسواعد مواردها البشرية المواطنة من أبناء جلدتها، أولئك الذين تربوا ونشؤوا على أرضها كمواطنين، بغض النظر عن أصولهم وانتمائهم العرقي والبشري والديني أو المذهبي، وذلك بعد أن صهرهم التاريخ المشترك والمصير الواحد في الانتماء لهذا الوطن.
لقد كان من المقبول في بدايات مراحل التنمية في السبعينات الميلادية أن تجد كثيرا من القيادات الإدارية والمناصب العليا يتقلدها الوافدون، خاصة في القطاع الخاص، ولم يكن ذلك يثير الجدل أو التعجب، لأن الظروف آنذاك فرضت نفسها، وحتّمت الاستعانة بالموارد البشرية غير المواطنة على كافة المستويات، وليس في ذلك نقصا أو عيبا، فتلك سنة الله في خلقه، وشأن أمم الأرض جميعها يستفيد بعضها من بعض، كما يتبادلون المعرفة لما فيه خدمة الإنسانية والتقدم الحضاري، وتتفاوت الدول في حجم ذلك التبادل ومرحلته ومدته. ولكن ما يثير التعجب والألم أن نستمر على تلك الوتيرة، وذاك المنهج بعد أكثر من 45 عاما من التنمية البشرية التي تضمنت نفقات لا تحصى من التعليم والتدريب والابتعاث وغيرها، وعلى الرغم مما تعانيه منظومة التعليم والتدريب من سلبيات وعجز وضعف في كثير من مضمونها، إلا أن ما يجب ذكره أن ذلك لا يعني أن الوطن مُفرغ تماما من موارد بشرية مؤهلة، وأنه ما زال يفتقد موارد بشرية مواطنة بذات الحجم السابق في بدايات مراحل التنمية، كما أن ضعف مخرجات التعليم والتدريب وما يحيط بها من إشكاليات، لا يعني أن جميعها ضعيفة وغير مؤهلة لإدارة شؤون الوطن، فهناك الكثير من المواطنين الذين عادوا بشهادات منافسة على المستوى العالمي وتتنافس الدول لاستقطابهم، أو حتى من مخرجات جامعاتنا الوطنية التي تزخر بفضل الله، بأكاديميين تنحني لهم تقديرا وإجلالا لمكانتهم العلمية، صحيح أننا نعاني من ضعف في مخرجاتنا التعليمية والجامعية بصفة عامة، ولكن ذلك لا ينبغي تعميمه على الجميع، لأن هناك الكثير ممن تعبوا فعليا على أنفسهم ليتميزوا في علومهم وتخصصاتهم، كما أنهم بذلوا الكثير من الجهد والعناء للارتقاء بأنفسهم تدريبا وتأهيلا.
تلك المخرجات المتميزة التي يزخر بها الوطن بفضل من الله، كانت وما زالت تنتظر أن يُستفاد منها، وأن تتاح لها الفرص المناسبة وفي ظل منافسة شريفة، لأن يحتضنها الوطن من خلال مؤسساته وقطاعاته المختلفة لتسهم في عملية البناء والتنمية فتكتسب الخبرة ويتم صقلها.
والسؤال المطروح هل جنينا ثمار ما زرعناه في التنمية بعد 45 عاما من جهود مختلفة؟ هل تمكّنا من تحقيق آمالنا وطموحاتنا الوطنية منذ سنوات، والتي تجددت مع رؤية 2030؟.
أثبتت تجارب الدول النامية كسنغافورة وماليزيا وكوريا الجنوبية وغيرها من الدول التي أصبحت نموذجا يحُتذى به تنمويا، أن الدول لا تنهض إلا بسواعد أبنائها ومواطنيها، وأن ذلك لن يتحقق إلا بالتنمية الصحيحة لمواردها البشرية علما وتأهيلا وتدريبا بداية، ثم من خلال تطبيق العدالة الاجتماعية والمنافسة الشريفة في تقلد المناصب والوظائف، بغض النظر عن أي تمييز إثني لعرق معين أو دين أو مذهب، وإنما البقاء للأفضل والأكثر كفاءة وتميزا وكفاءة للمنصب، وبذلك تنهض الشعوب وترتقي الأمم.