• يبدو أن أجواء المرحلة المشحونة بـ"الهياط"، قد أثرت على الأداء الإعلامي، وبخاصة عند بعض الشباب المندفعين الذين يصفون أنفسهم بـ"الإعلاميين"، (وهي صفة غير دقيقة مهنيا وعلميا)، وأخص منهم أولئك المكلفين بالعمل الإعلامي في بعض الجهات الرسمية، إذ يعجز هؤلاء عن إدراك أن مهامهم تتوقف عند تقديم الواقع كما هو، أو -على الأقل- تقديم الجوانب الإيجابية في جهاتهم وإشهارها دون إضافات سمجة، ومدائح مجانية، وجمل رنانة، ومبالغات، وأوصاف تجاوزتها المرحلة، مما يحوّل المادة الإعلامية إلى "هياط" منمّق على هيئة مادة صحفية، أو تلفزيونية.

• من الأدعياء من يستطيع أن يكون شيئا مذكورا، لو أنه ترك التعالي على المعرفة، وداوم على القراءة والتزود، وتخلى عن ادعاء المعرفة بكل شيء، دون أن يعرف شيئا عن أي شيء سوى ما يلتقطه ذات "سيرش" سريع في رأس الشيخ "قوقل"، ليجهّل به فلانا، أو يستعرض به أمام فلانة. هذا الدعي يمكن أن ينال احترام العارفين واعترافهم، لو أنه تاب عن تجهيل المتخصصين في تخصصاتهم، وتوقف عن تحقير جهود الآخرين، وعن الحط من قيمة منجزاتهم العلمية أو الإبداعية، لكنه يستعجل الذكْر، وربما أراد أن "يتميلح" معرفيا، فلم يجد غير هذه الطرائق سبيلا إلى نيل الإعجاب، وإلى تحقيق الذات الهشة، وهو لا يعلم أنها أساليب تحط من قدره هو قبل أن تصغّر الآخرين أمامه، بل إنها قد تتحول إلى مواد للسخرية منه، فلا تنفعه -بعد ذلك- معرفة، ولا يُكتب له مُنجز.

• إنْ لم تكن عصابيا، فأنت في أعين العصابيين جاهل، وعندهم أن كل ما تكتبه أو تقوله أو تصل إليه بعد بحث جاد، ينم عن جهل كبير بالقضية التي تتناولها. أنت جاهل؛ لأن التجهيل هو أيسر الطرق وأسرعها إلى صرف الأنظار عن رأيك الذي يختلف عما غرسه كبراؤهم في عقول تابعيهم لأهداف كثيرة ليست الحقيقة منها، وليست المعرفة من أولوياتها، وليس الوعي أحدها، ولا النهوض على رأسها، وإنما أنت جاهل؛ لأنك تُحدث شرخا في جدار التبعية والجهل الذي تعبوا في تسوير العقول به عبر ما يزيد على خمسة عقود.

•..وإن لم تكن عصابيا، فأنت في أعين العصابيين غير مبدع، فمهما بلغ شأنك في الإبداع، ومهما اعترف بنتاجك الأباعد قبل الأقربين، فإنك تبقى -في أعينهم- مجرّدا من أي صفة تجعلك مع المبدعين، فيما المبدعون -عندهم- هم شعراؤهم وقاصوهم وروائيوهم وكتّابهم، من: ناظمين، وحكّائين، وقالبيين، وكلسيين، ممن ليس لهم من الإبداع سوى انتمائهم إلى العصبة، وصدورهم عن أدبياتها، وخضوعهم لما غرسه أسيادهم في رؤوسهم، وهي صفات كفيلة بعدّهم في المبدعين، وإن لم يعترف بنتاجهم سوى المنتمين، والمغترّين، فهم مبدعون رغم أنف الإبداع الذي ينكرهم ويجهلونه، حتى إنه يصرخ منتحرا على أسنّة أقلامهم: أرجوكم.. صفوهم بأي صفة سواي، فليسوا مني، ولستُ لهم! ولكن لا حياة لمن يناديهم الإبداع، وكيف تكون لهم حياة وهم لا يرونه سوى أحد جسور العبور إلى التمكّن والسيطرة وتوسيع القاعدة الشعبية؟!