(1) في سنوات نشأتنا الأولى، كانت بيوت أجدادنا ذات مدخل واحد فقط، يدخل منه البشر رجالا ونساء على السواء.

وحين كبرنا، صارت بيوتنا ذات مدخلين: أحدهما كبير بارز ذو مصراعين يسمى: "باب الرجال"، والآخر صغير منزو بلا مصراعين يسمى: "باب النساء"!

(2) في أزمان نشأتنا الأولى، كان من يقطع شجرة خضراء، يُعاقب بدفع "الغُرْم"، وهو- في الغالب – من القمح الذي يُوضع في "منزالة" المسجد، ليأكل منه الفقير والمسافر، وكانت لحرس الغابات التابعين لوزارة الزراعة هيبة تشبه هيبة رجال الأمن.

(3) في أزمنة نشأتنا الأولى، لم تكن هناك خلافات آيديولوجية أو حزبية أو فقهية تفضي إلى مقاطعة الأقارب والأرحام.

وحين كبرنا، رأينا من يقاطع بعض عشيرته الأقربين لأنهم لا يحبّون سماعَ خطب قائده وقدوته، أو لأنهم يسمعون الموسيقا، أو لا يحبون سماع نشيد: "شبابنا سيروا إلى الجهاد"، أو لأنهم مسلمون أحرار يحملون أفكارا تختلف عن الأفكار الحزبية التي يؤمن بها!

(4) في زمن نشأتنا الأولى، لم يكن بعضنا يعرف أن هناك سنة وشيعة، فيما كان الذين يعرفون بوجود الطائفتين، يرون أن الناس أحرار فيما يعتقدون، وأن أتباع الطائفتين كلهم مسلمون.

وحين كبرنا، وجدنا في أتباع كل طائفة من يكفّر أتباعَ الأخرى، ثم كبرنا أكثر، فوجدنا بعضَ أتباع الطائفتين يخوّنون أتباعَ الطائفة الأخرى كلهم تخوينا عاما لا يستثني ولا يعدل!

(5) في أيام نشأتنا الأولى، لم يكن الرجال "يتعيّرون" من النطق بأسماء أمهاتهم أو زوجاتهم أو أخواتهم في مجالس الرجال، إلى حدّ أن من يلقي "الردودة/ خطبة الوفد"، كان - عند الوفادة في حفلات الزواج - يذكر اسم العروس بين صفوف الرجال، وقد يسأل أحدُهم الآخر في المناسبات بصوت عال عن صحة فاطمة أو عائشة أو شريفة.

وحين كبرنا، صار للزوجات كلهن اسم واحد هو: "الأهل، أو العيال، أو البيت"، وصار الأطفال في المدارس يعيّرون بعضهم بأسماء أمهاتهم، وصار الذكَر يحرص الحرص كله على إخفاء "كرت العائلة" عن أصدقائه، خوفا من أن يعرفوا اسم زوجته، وصار حارس مدرسة البنات يناديهن بأسماء أقاربهن الذكور، خوفا من بطش أهلهن، أو غضب "قائدة" المدرسة، إنْ هو قال عبر "المايكرفون": فلانة بنت فلان!

(6) في زمن مضى، كانوا يصفون المسؤول الفاسد بأنه "سارق".

وحين كبرنا، صار بعض العوام يصفونه بأنه "ذيب" يعرف كيف "يأكل"، ثم كبرنا أكثر، فوجدنا بعض "الصالحين" يصفونه بـ"الصالح" أو "الأمين"؛ لأنه خاتلَهم بتظاهره بالصلاح، أو لأنه خدم مصالحهم الفردية، أو الحزبية، على حساب الوطن وأهله!