تبرهن مراجعات الدكتور الشيخ عبدالعزيز الحميدي وهي تنهي مساء ما قبل البارحة في حلقات بالغة الإثارة، أقول تبرهن في النهاية على حقيقة واحدة: أن فهمنا للنص الديني دائماً ما يصل بالباحث وطالب العلم إلى مفرقي طريق متضادين، ولك أن تسلك أيا منهما بحسب فهمك المبني على اجتهادك لتفسير النص. فذات الأدلة والحجج التي قادت عبدالعزيز الحميدي إلى ما سبق من ماضيه من تشدد وغلو، وباعترافه، هي ذات الأدلة نفسها التي استدل بها الطريق إلى الفهم السليم لمقاصد الأحكام التي كانت ذاتها سبباً لفهمه السقيم السابق. وكل الفارق ما بين الفهمين، بربط مراجعاته فكرياً مع بعضها البعض، لا يؤكد إلا أن ذات النصوص والأدلة والحجج دائماً ما تقود إلى فهم مختل في بداية المرحلة من طلبه للعلم، ولكنها ذات الأدلة والنصوص التي تستوي على فهم سليم مختلف بعد أن يصل الاجتهاد فيها ودراستها إلى مرحلة عميقة ومتقدمة. وبكل اختصار فإنه إنما أراد أن يقول من ربط هذه المراجعات إن دراسة النص الديني بالغة الخطورة في بداية الطريق وفي منتصفه عندما تكون على مفترق الطرق. وباختصار آخر فإن الدرس الذي نتعلمه من مراجعات الشيخ الحميدي ليس إلا أن هذه الكثافة المفرطة في مأسسة مدرسة (طلبة العلم) لم تثمر إلا عن مدرسة تقف في منتصف الطريق وتماماً على المنعطفات الخطرة منه ، لأن مواصلة الاجتهاد والتبحر في العلم الشرعي يحتاجان إلى أدوات ذهنية ونفسية وعقلية هائلة لا تتوافر إلا في أفراد قلائل يصلون إلى الوصف الرباني كراسخين في العلم. هؤلاء عبر التاريخ لم يكونوا في القرون الثلاثة الأولى إلا الأئمة الأربعة ولم يكونوا كل تلك القرون إلا بضعة وعشرين مجتهداً وأقل من مئة عالم ممن تركوا لنا بصمة تأليف الكتب. اليوم، يتخرج من كلية شرعية واحدة وفي عام واحد أضعاف ما أنتجته خير القرون الأولى من العلماء، وكل هؤلاء الآلاف أو سوادهم يتصدون للفتوى والإرشاد ويتصدرون المنابر حتى في بعض مسائل كانت تستعصي على أئمة المذاهب الأربعة. هؤلاء هم علماء منتصف الطريق. ومن المدهش أن لبعضهم من الأوراق المطبوعة على فتاوى الشبكة أضعاف ما سطره الإمام الشافعي وأجرأ مما توارى مالك عن أن يفتي به. وستظل الكثافة في تدريس علوم الدين محمودة فقط إذا فهم طالب العلم أين يقف بالضبط من مشوار الطريق، وألا يتصدر الفتوى، وأن يعلم أن نهاية العلم الشرعي لن تخرّج مغالياً أو متشدداً أو معتسفاً للأحكام، لأن ذلك يجافي فطرة هذا الدين الحنيف.