أحيانا تصادف أمرا يشدك وتجد نفسك مشدودا لدرجة أنك تتابع البحث لمعرفة المزيد لأن شيئا ما لفت انتباهك وجعلك تفكر وتستغرب مدى مطابقة الأحداث ما بين الأمس واليوم، قد تختلف الشخصيات والبيئة المحيطة ولكن طرق التأثير تكاد تكون ذاتها.

تابعت أخيرا فيلما وثائقيا عن حادثة عام 1938 سميت في حينها بـ"الذعر الأكبر" نتيجة الحالة التي أصابت شريحة كبيرة من سكان أميركا عشية ليلة الهالوين. في تلك الليلة تم بث مسرحية "حرب العوالم" المقتبسة من رواية الكاتب الإنجليزي هربرت جورج ويلز، والتي تدور أحداثها حول تعرض الأرض للغزو من قبل سكان المريخ. والذي مهد لذلك الكم الهائل من الذعر والهلع أن العالم كان على شفير حرب عالمية وأخبار هتلر كانت تتواتر على وسائل الإعلام، إضافة إلى أن الولايات المتحدة كانت تمر بأوقات عصيبة، فلقد خرجت منذ فترة ليست بالبعيدة مما سمي بالكساد الكبير الذي تسبب بدوره بالبطالة والفقر وإفلاس كثير من الطبقة الثرية، كل ذلك شكل جماهير جاهزة لتصديق خبر أي كارثة تبث إليهم من أهم وسيلة إعلام في ذلك الزمن؛ المذياع، أضف إلى ذلك عبقرية الشاب أورسن ويلز الذي قدمها على شكل "خبر عاجل" و"شاهد عيان" و"الخبير المختص"، أسلوب تعرفه جيدا جماهير الإعلام في الوقت الحاضر!

وبدأت بالبحث إلى أن وقعت على فيلم وثائقي ثان بعنوان "معركة المواطن كين" عن صدام بين القطبين ويليام هيرست ملك الإعلام، وأورسن ويلز عبقري الفن بسبب فيلم "المواطن كين" الذي صنف عالميا فيما بعد كأحد أعظم أفلام العصر. كيف وصلتُ إليه؟ لأن أورسن ويلز بعد "الذعر الأكبر" جاءه عرض للإخراج لم يُقدم لأحد قبله أو بعده من شركة أفلام، العرض كان بأن يُترك له كامل الحرية بكل شيء يتعلق بالفيلم من اختيار القصة والطاقم الفني والإنتاج، بمعنى أن كل شيء كان بيده، إلى هنا والأمر طبيعي، ولكن لماذا شن وليام هيرست الحرب عليه؟ هنا يكمن سر القضية! لقد وصل إليه من خلال التسريب بأن القصة تمثل حياته، وهنا جن جنونه وبدأت الحرب لدرجة أنها كادت تقضي على الفيلم قبل أن يعرض على الجمهور، حتى إنه كان هنالك محاولة لشرائه وحرق النسخة، ولكن في النهاية لم يوقف التصوير ولكن هيرست بنفوذه استطاع منع غالبية دور العرض من تقديمه، كما منع صحفه ومجلاته من ذكر أي خبر دعائي عنه، وفيما بعد تسبب في تدمير أورسن ويلز مهنيا.

يقال إن القصة أخذت عن حياة ثلاثة أقطاب ورابعها حياة أورسن نفسه، ولكن أن يتحرك فقط هيرست هنا وكأنه يؤكد بأن ما جاء في الفيلم هو فعلا يمثله! فمن هو؟ هذا كان سؤالي وتابعت البحث. ولد وليام راندلوف هيرست لأسرة فاحشة الثراء نتيجة امتلاكها مناجم الفضة ومن ثم مزارع وشركات، وعندما كان في الثامنة عشرة من عمره طلب من والده أن يمنحه صحيفة صغيرة كان يمتلكها في سان فرانسيسكو، ومن هنا بدأت مهارة وليام تظهر، فلقد خلق من هذه الصحيفة نوعية جديدة من الصحافة، استخدمها ليهاجم بها أعداءه فيما بعد! لقد عشق الإثارة وعرف قوة التفاصيل في جذب القارئ، إضافة إلى الصور والرسومات حتى التلاعب في التفاصيل أو خلق الأحداث! لقد قرر أن يصعد للقمة وهنا السلطة المطلقة وإن تسبب ذلك في خلق الأعداء فلا يهم لأن ذلك من سوء حظهم! لقد كان يأخذ الأخبار من غيره ويقدمها بطريقته لتصبح ملكه، بل كان يخلقها إن احتاج الأمر، لقد أسس للصحف الصفراء ومهد لها الطريق! ففي مرة استأجر امرأة لكي تقع في وسط الطريق ليرى كيف سيتصرف الإسعاف، وفي مرة أخرى طلب من أحد مراسليه أن يرمي نفسه في الماء ليقيس فترة استجابة الفريق على العبارة وسرعة تحركهم لإنقاذه! وحين قرر محاربة إدارة القطارات كان يسمي الركاب بالناجين ويضع علامة الدولار بدلا من حرف السين في أسماء المديرين؛ فن الإيحاء! تلاعب من أجل التحكم في الوعي الجمعي، حتى القضاء تدخل فيه وكان من يريد براءته يسخر إعلامه له ومن يريد أن ينهيه أو يزيحه عن طريقه أمطره بالشائعات إلى أن يدمره، حتى إن فريق العمل في صحفه كان يطلق عل نفسه "الفريق المدمر"! حين سُئل يوما عن سبب تأثير الإعلام على الفن السابع رغم أن الأخير عالمي، أجاب بأنه لا يمكن سحق رجل من خلال الأفلام ولكن يمكن ذلك من خلال الإعلام (الصحافة والإذاعة)!

وهل اكتفى بذلك؟ كلا بل تدخل بالسياسة! حين ذهب أحد مراسليه الفنيين إلى كوبا عام 1879 لتغطية الحرب المتوقعة بين أميركا وإسبانيا، لم يجدها فأبرق لهيرست يطالب بالعودة، أجابه حينها "أنت قم بتوفير الصور وأنا سأوفر الحرب"! وحين اندلعت فيما بعد خصص أكثر من أربعين صحفيا فقط للتغطية، وانطلق بنفسه إلى هناك على متن يخته وشارك بشكل غير رسمي! حتى حينما وقعت تحت يديه قصة الثائرة الكوبية إفانجلينا التي قبض عليها وهي تحاول أن تغري أحد القادة لتجره إلى بيتها حتى تقتله، لم يعجبه سير الأحداث لأنها لن تخدم أجندته، فجعل منها الملاك وحور القصة إلى أنه تم القبض عليها لأنها كانت تحاول إنقاذ والدها من السجن؛ ونادى بإطلاق سراحها لأن شرفها كان في خطر! وفي خبر آخر قام بشيطنة رجال الأمن الإسبان، حيث نشر رسما يظهرهم وهم يفتشون امرأة أميركية وقد تم تجريدها من ملابسها، وطبعا تحت عنوان بالبونت العريض يحرض ويثير الحمية للتحرك! في النهاية أتت مرحلة الخسارة بعدما أسس سلسلة من شبكات الإعلام من صحف ومجلات وإذاعة، أضف إلى بذخه وصرفه على حفلاته وضيوفه وقصوره التي كان يشتريها في أوروبا ويفككها ويعيد تركيبها على أرضه، والتحف الفنية التي لم يكن يعرف أين يضعها لكثرتها فيخزنها! المهم أنه هوى كما صعد وكما تسبب بتدمير الكثير في طريق صعوده.

لقد امتلك القطبان القوة للتأثير على الجماهير وتم استخدامها بكل مهارة؛ وليام هيرست، من خلال مملكته الإعلامية، كان أول شخص تمكن من تشكيل أو التحكم بالرأي العام في جميع أنحاء أميركا، وأورسن ويلز كان أول من تمكن من التأثير عليهم في بث واحد لأنه استخدم وسيلة الخبر العاجل وأخرج الخيال على أنه واقع! والآن لنفكر قليلا، هل تم استخدام الخبرات السابقة وطبقت تلك الوسائل وذلك التلاعب، طبعا بعد التحديث والتطوير، من قبل وسائل الإعلام العملاقة، خلال ما سمي بالربيع العربي؟ هل يكفي أن يكون المستقبل للأخبار مثقفا حتى يكون محصنا ضد التلاعب والتحكم؟ أين موقع التفكير الناقد من العملية برمتها؟ هل تواتر الأحداث خاصة السلبية يلغي العقل أحيانا، وهل يقبل ذلك كعذر؟ الإجابة عندكم!.