تابعت الأحد الماضي، عبر حساب قناة روسيا اليوم على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، بثا مباشرا لبدء عملية تحرير الجهة الغربية لمدينة الموصل العراقية من قِبل الجيش العراقي وفصائل أخرى، وكانت عملية حذرة جدا، كما أوضح ذلك النقل المباشر.
وترافق مع النقل محادثة مباشرة أيضا «شات»، ليتها لم تُبث، وليتني لم أشاهدها، ولم أقرأ ما جاء فيها، إذ لم يكن هناك غير جدل وتراشق عفن بالكلمات والسباب من المتحدثين تجاه بعضهم، على اختلاف طوائفهم وانتماءاتهم الطائفية المذهبية، من قبيل «يا شيعي، يا رافضي، يا ناصبي، يا وهابي، يا دواعش، نحن أحفاد علي، نحن أبناء الحسين، الحشد الشعبي سيبيدكم، الدواعش أحفاد الصحابة وسيذبحون رقاب أطفالكم، وسننتقم لسنة العراق والشام....إلخ»، ولم يكن الحديث عن العراق الوطن، أو الوطن الكبير للأمة العربية، لم يكن الجدل حول كيفية بناء أمة العلم والمعرفة والاكتشاف والاختراع والإبداع، بل حضر الحسين ويزيد والخلفاء والمعارك والقتال التاريخي منذ 1400 عام، وكتب البخاري ومسلم، وبحار الأنوار، والكافي، والأمثل، والبداية والنهاية وووو...
هذه اللغة الماضوية المبنية على الاختلاف المذهبي والطائفي، والتي أنتجت الحقد المتوارث وذاكرة مليئة بالدماء، والتي يغذيها أصحاب المصالح والأطماع السياسية، يقع فيها العقل العربي بسهولة، نتيجة تقديسه للماضي المشخصن لكل شيء وعلى كل المستويات بكل أسف، وهي حالة ما زالت تتمدد منذ ذلك التاريخ إلى أن صبغت يوميات العربي والمسلم بشكل يدعو إلى الحزن والسخرية في آن معا.
لم يكن الحديث في «الشات» بحجم العمل العسكري على الأرض، والمنقول بشكل مباشر، لقد حضرت المهاترات وتبادل التهم والشتائم أكثر من حضور الوطن والأرض والعقل الراجح، والتفكير في التلاحم والانتصارات التي يمكن أن تعيد الزهو العربي إلى المنطقة.
لقد كان الحديث تافها إلى الدرجة التي لم أستطع معها إكمال المتابعة، فالأمر بات حقيرا بوجود مثل تلك المهاترات واللغة الساقطة الحقودة على كل شيء جميل في هذه البقعة من الكرة الأرضية.
هذا التاريخ الذي لا يريد أن يذهب بعيدا عن يوميات العقل العربي والإسلامي، ينبغي مواجهته والقضاء عليه أولا، قبل أية معركة أخرى يخوضها العرب والمسلمون إن أرادوا فعلا التوجه إلى المستقبل بثقة، إنها الحرب الأكثر أهمية والأكثر احتياجا لهذه الأمة المسكينة المطحونة التي تحتاج إلى التخلص من فكرة رؤيتها وتعلقها بالماضي السحيق كَمّا لا كيفا، وكيفما اتفق، لأن الظهور بهذا الشكل يصادر ماضيها وحاضرها ومستقبلها، ويضعف من حظوظ إمكانية حضورها في الذاكرة الأممية والإنسانية المبدعة، ويضعها حتما في خانة تصنيف القتلة والجزارين.
لقد كان ما تابعته مؤلما وقذرا بمعنى الكلمة، جعلني أرى مأساتنا العربية والإسلامية ماثلة أمام عيني، وأستشرف مستقبل أجيالنا الضبابي الذي لا يبشر بالخير.
جعلني ذلك أفكر في الهجرة فعلا إلى ملاذات العالم الآمنة، التي يحترم فيها الإنسان أخيه الإنسان، أكثر من التفكير في الانتقام والتعذيب والقهر والذبح والسحل. فليس هذا ما أريده لأطفالي وأطفال هذه الأمة المغلوبة على أمرها، على يد هذا الجهل وهذا الظلام الفكري والعقدي المشوش، وهذه الصخور التي تظهر على هيئة بشريين.
إن أمة تفكر في عداوات ماضيها والانتصاف والثأر له أكثر من تفكيرها وتعلقها بالمستقبل، لهي أمة مريضة لا يرجى لها نبوءة صالحة، تعطي مؤشرات على نبل أحلامها وأهدافها.
قال تعالى: «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم»، وحين تكون مثل هذه المفاتيح العظيمة في أيدينا ثم لا تستخدمها لفك أسرنا وحصارنا، فنحن حتما أمة مختطفة ومغيبة عن الحياة والعلم والمعرفة والتاريخ، ولن نكون منطقيا إلا خارج التاريخ ببساطة.
ذهب التفكير في الماضي بالعراق والشام واليمن، ويكاد يذهب بالمنطقة العربية برمتها، وتخلف المسلمون عن ركب العالم والإنسانية، وها هم يتذيلون قوائم العالم المتحضر على كل المستويات، وسيستمرون في ذلك طالما بقي تقديس الأشخاص قائما أكثر من الاحتفاء بالأفكار والأوطان والإنسان والعلم. وهو ما يظهر كقدر محتوم على هذه الأمة التي تلَقّف زمام أمورها، من استثمروا الدين للمصالح الشخصية المشينة.