أراد أحد الملاك إجراء دراسة للعمل على زيادة الإنتاجية في أحد مصانعه، فوظّف عددا من الباحثين ليدرسوا حالة المصنع وتزويده بالنتائج و التوصيات.

خلال الأيام الأولى لوجودهم تخوَّف منهم العمال، لكن سرعان ما زال هذا التخوف عندما بدأ الباحثون يتجولون بين العمال، ويسألونهم عن التحسينات التي يتمنونها في بيئة العمل مما يعتقدون كأيد عاملة أنه سيؤدي إلى رفع الإنتاجية.

بدأ الباحثون بسؤال هؤلاء العمال عما يريدون، وبدأ العمال يطالبون ببعض احتياجاتهم.

أبدى بعضهم رغبتهم بتوفير أجهزة للقهوة الساخنة، فيما طالب آخرون بتشغيل موسيقى كلاسيكية في الممرات، كما تساءل آخرون عن إمكان تزويد استراحة الموظفين بالنباتات الخضراء.

بعد جمع البيانات وتحليلها، قام الباحثون باختبار المتغيرات ليروا أيها سيكون له الأثر الأكبر في رفع الإنتاجية.

درس الباحثون المتغيرات كلًّا على حدة، أثر تشغيل الموسيقى، ثم أثر توفير قهوة مجانية، ثم أثر زيادة فترة الغداء لخمس دقائق، وأثر توفير معطرات الجو في غرف تغيير الملابس.

لاحظ الباحثون أن الإنتاجية كانت تزيد في كل مرة، بغضّ النظر عن المتغير، فاستنتجوا من ذلك أن الإنتاجية في بيئة العمل لم تتحسن بوجود النباتات الخضراء، و لا بتشغيل شوبان أو باخ، ولا بتوفير القهوة الساخنة، بل زادت إنتاجية العمال لوجود الباحثين معهم في بيئة العمل، و لأنهم أبدوا الاهتمام بهم وتقدير آرائهم. لقد كان وجود الباحثين وتواصلهم الإنساني المباشر مع الفئة المهمشة من الأيدي العاملة هو المتغير الأهم في كل التجارب.

بعبارة أخرى، إحساس العمال بوجود من يقدِّرهم ويهتم بشأنهم ويسألهم عن احتياجاتهم ورغباتهم وتفضيلاتهم ويسعى إلى تنفيذها، لهم كان له أثر مباشر في رفع إنتاجية المصنع.

جاء ضمن توصيات هذه الدراسة: يتساوى البشر بطبيعتهم في رغبتهم بالحصول على التقدير و الاهتمام،

ومن البدهي أن يؤدي إشباع هذا الاحتياج لتغيير ملموس في بيئة العمل و ظروفه وبالتالي زيادة الإنتاجية، ربما كان التغيير الأهم الذي حصل في هذا المصنع، هو وجود من يهتم بالعمال و يقدِّرهم، ونوصي باستمرار ذلك.

إن الحاجة إلى التقدير تقع ضمن الاحتياجات الأساسية في هرم ماسلو. كما يرى ماسلو أن القادة الذين يركّزون على إشباع هذا الاحتياج بين موظفيهم، يحققون أهدافهم وتنجح مشاريعهم، بعكس من يهمِّش موظفيه أو يقلل من أهمية دور الأفراد في منظومته.

إن الحاجة إلى التقدير والاهتمام فطرة، وغني عن القول إننا لا بد أن نغرس هذه الثقافة في بيوتنا أولا، كي تمتد فروعها ويستفيد منها المجتمع استفادة تتناسب مع عمق جذورها في الأسرة.

إن تعويد الأطفال على إظهار التقدير من سن مبكرة، هو جزء جوهري من صميم تربيتنا لهم، كما أن ممارستنا لما نحثهم عليه أهم من تكرار الكلام عليه بمراحل، ومن خالف قوله فعله فكأنما يوبِّخ نفسه كما يقال.

إذن، هل يشعر من حولنا بتقديرنا لهم؟ هل نعبِّر عن هذا التقدير بشكلٍ كافٍ وواضح و يصل صدقه إلى الآخرين المعنيين؟ وهل نستطيع تحمّل كلفة عدم إظهار التقدير لمن حولنا؟ الكلفة غالبا غالية، قد تصل إلى فشل مشروع قضينا جزءا لا بأس به من حياتنا في التخطيط له أو الإنفاق عليه.

إن الحياة قصيرة جدا، وإحدى هذه المرات التي نغفل فيها سهوا أو عمدا عن إظهار التقدير لمن حولنا أو الاهتمام بهم، ستكون بلا شك فرصتنا الأخيرة، فالرحيل لا يستأذن أحدا.