بالكاد نستطيع متابعة أخبار وزارة التعليم المتعاقبة بكثرة أخيرا والتعقيب عليها كما «ينبغي»، حتى إنه صار يناسب الوزارة وأخبارها ومستجداتها شعار دعائي قديم يقول: «مش حتقدر تغمض عينيك»، وهو بالمناسبة تصور شخصي بحت يجبرني على أن أقول وأنا إحدى منسوبات هذه الوزارة «يا الله السلامة» حينما أنوي التعليق ولو مازحة على وزارتي التي أعي تماما مقدار أهميتها ومقدار العبء الكبير عليها وعلينا وكمية الواجبات والمتطلبات والطموحات المنشودة من الوزارة، سواء من منسوبيها أو من المجتمع.

أحد أهم الأحداث التي تلفت الانتباه في الوزارة هي الاتفاقية التي عقدها التعليم مع الصحة بعنوان «رشاقة» كمبادرة تهدف إلى تخفيض معدلات السمنة بين الطلاب والطالبات في التعليم العام في مرحلة أولى تستهدف 6 مناطق تعليمية.

الفكرة في خلق الوعي الصحي ومحاربة السمنة في المدرسة بين الطلاب والطالبات ومنذ صفوفهم المبكرة وبإشراف من وزارة الصحة فكرة حالمة ورومانسية جدا، وليست بالمستحيلة لو وضعت لها رؤية واضحة وخطة محكمة، ولا أعلم هل اطلعت الوزارة على الواقع الذي يناقض هدف «الرشاقة» وقد ينسفها تماما أم أن الخطط تأخذ وهجها عند إطلاق أي مبادرة أو برامج تخص التعليم ثم تنسى مع الوقت وتتلاشى مع عدم اتفاقها وتناقضها إذا طبقت في الميدان.

المقاصف المدرسية من أول الأمور التي تناقض هدف مبادرة «رشاقة»، ففيها تقدم للطلاب من الجنسين مبيعات لا يصح إطلاق مسمى وجبات صحية عليها، تكاد تنحصر بين معجنات وحلويات وعصائر مشبعة بالسكريات والزيوت والألوان الاصطناعية، جميعها ذات قيمة غذائية منخفضة وسعرات حرارية عالية تقدم بأسعار عالية وفي فترة زمنية قصيرة يحرص فيها الطالب على تناول أي شيء يشعره بالشبع ويصل له سريعا أمام زحام وفوضى «شباك المقصف»، وغالبا ما تسلم هذه المقاصف لشركات تجارية تهدف لجني ربح سريع ومضمون على حساب صحة الصغار، أو تديرها المدارس ذاتيا، فتحرص أيضا على أن يكون الربح من المقصف المدرسي يتناسب والطموح في تعزيز الميزانية المدرسية التي تولي الديكورات أهمية تفوق حلم رشاقة.

الجانب الآخر الذي على مبادري الرشاقة في التعليم أن يأخذوه بعين الاعتبار أن الطالب يقضي قرابة الست ساعات بين أسوار المدرسة يقف في الطابور المدرسي أول ربع ساعة منها يقوم بحركات رياضية لعدة دقائق ثم يقضي بقية النهار جلوسا في الفصل، قد لا يتحرك إلا إذا وقف وقت التفاعل في الفصل أو بين الحصص أو في ربع الساعة الأخرى وقت الفسحة، وإن كان محظوظا بقليل من الحركة فتكون لدية حصة رياضة. قلة النشاط البدني خلال اليوم، خاصة في الساعات الأولى، لن تحقق الهدف المنشود من الرشاقة، وتحرم النشء من فوائدها النفسية والعقلية وتعوده على نمط حركي متكاسل ومترهل. المضحك المبكي في هذا الجانب «الحركي» بالذات هو أن الطالبات أكثر حرمانا من ممارسة الرياضة داخل المدرسة وخارجها، فلا توجد لديهن حصة رياضة واحدة على الأقل في الأسبوع، ولا يسمح لهن في الغالب بالركض والقفز والحركة ثم يتوقع منها أن تكون رشيقة، إلا إن كانت الرشاقة هدفا للطلاب الذكور فقط لدى وزارة التعليم.

بعد مبادرة الرشاقة ضجت الساحة التعليمية بأخبار التأمين الطبي للمعلمين والمعلمات، ولأن الزملاء في الجريدة قد استفاضوا فيه خلال الأيام السابقة سنتجاوزه لضجة أخرى أغضبت الكثير من وزير التعليم من كلمته الخميس الماضي أثناء ورشة عمل حول مناهج المدارس العالمية قال فيها، ولن أقول هاجم كما انتشر في أوساط المعلمين، قال إن المدارس الحكومية تفتقد المعلمين الحقيقيين، وإن العملية التعليمية أصبحت تقتصر على التلقين. وبين حقيقة المعلمين والتلقين تتوالد آلاف الأسئلة للوزير والوزارة والمعلمين.

كمعلمة في التعليم العام لا أعلم بالفعل هل أنا حقيقية أم لا؟ وماذا ينبغي علي أن أقوم به لكي أكون كذلك؟ وسأُحسن الظن بالدكتور العيسى في استخدامه كلمة «حقيقي» في سياق كلامه، لأنني أدرك مدى الفجوة التي وجدها حينما كتب كتابه المتعلق بإصلاح التعليم في السعودية وبين واقع العمل في الميدان وما عليه أن يتداركه مما لحق به وما نقصه وما يطمح له، مع عبء كبير من محاولة اللحاق بركب التعليم في العالم، ونمطية العمل الوزاري الذي تقدمه لنا من خلف الفلاشات وتحت العناوين الإخبارية وتترك كل طموحاته النظرية، في ذلك الكاتب يقف بينه وبينها ألف موظف ومسؤول يفوض لهم المهام.

حتى يكون المعلمون حقيقيين لا يجعلون العملية التعليمية مجرد تلقين تقتل روح الإبداع والكشف والبحث في الطالب فالحل ليس بيد المعلم وحسب، بل يبدأ من الوزارة ومناهجها وخططها وأساليبها التعليمية، المعلمـ/ـة في السنوات الأخيرة أصبح يطبق ما يطلب منه دون ترك الفرصة له هو أن يبدع أو يبتكر، يطالب بإستراتيجيات تعليمية تعتمد على «الشو»، ويطالب بتفعيل بطائق «التعليم النشط» حتى لا يمس «المؤشر» المدرسي أو الإشرافي سوء. يوضع له إطار في القياس والتقييم والمتابعة يجبره على ألا يخرج عنه ولا يتجاوزه، في ظل شح الموارد المالية والتدريبية والتطويرية لكل المتطلبات التي تكون غالبا شكلية وفي وجود خطط تكرس النمطية والتكرار وتستنسخ التجارب، وتعود المعلم على البعد عن الابتكار والتجريب الذي قد يساءل عنه لو خرج عما هو مطلوب منه، وتجعله يفضل خيار «أريّح دماغي» أكثر من أن يكون «حقيقيا».

تلويحة أخيرة سريعة بخصوص دمج وكالتي التخطيط والتطوير مع التخطيط والمعلومات لتصبح: وكالة التخطيط والمعلومات؛ أتساءل فيها عن خطط الوزارة في البرامج السنوية التي تضعها -أخص ما يتعلق بالتعليم العام- هل هي محكمة ومدروسة بما يتفق مع مصلحة التعليم وخطط التطوير والتنمية، وتنفذ ضمن معايير وخطوات واضحة ومعايير جودة عالية تتناسب مع الإنفاق العالي عليها؟ قبل الإجابة تلويحة أخرى «لقوم خبرات» خاصة أولئك الذين ما زالوا «على كف عفريت» وحديث قادم قد يستفيض حولهم!.