أعرف أنني تأخرت يوما في كتابة رسالتي هذه في يوم المرأة العالمي الذي وافق أمس، الثامن من مارس، ولن أذهب في هذه المقالة إلى منطقة قوائم إحصائيات منجزات المرأة في تاريخ البشرية، وهي المناطق التي لا أرى فيها بعدا حقيقيا يمكنني التعبير عبره عن نظرتي لأبعاد العلاقة بيني وبين المرأة.
فهذه الإحصائيات ستظل عندي مخجلة وغير إنسانية مهما بلغت نتائجها، وغير جديرة بالاحترام أصلا، لتكون أهلا لتقييم العلاقة بيننا، إذ كيف لي أن أتصور أن من أتشارك معه هذه الحياة لا زال يبحث عن حقوقه، عبر تقديمه وثيقة إثبات أحقيته بشراكة حتمية الحدوث شئنا أم أبينا!.
أكتب إليك سيدتي المرأة بصفتك الشريك الحقيقي الأول لي في هذه الحياة، لأنني الفرع وأنت الأصل في الواقع، وأرفع لك أسمى آيات المحبة والعرفان بعظيم فضلك في تمكيني من الجلوس وكتابة هذه الكلمات إلى مقامك العظيم، وأرجو أن تتقبلي ولو على مضض كلمات رجل يمثل مجازا بعض جنسه.
كلما قرأت أكثر في تاريخ العلاقة الاجتماعية الذي ربط بيننا منذ الأزل، شعرت بالخجل من الحال الذي أنتج تلك الأفكار المشوهة عنك في الفكر الإنساني وثقافته، ومحاولات وضع تقييمه لك بغرور لا مثيل له، على الرغم من أنك كنت سببا مباشرا في حضوره إلى هذا العالم، أشعر بالخجل حين يحاول الأغبياء في هذا العالم إطلاق أسئلتهم الغبية حول من أنتِ وما أنتِ؟، أشعر بالخجل حين يحاول معتوه وضعك في إطار يرتضيه لنفسه، ليراك من خلاله كما يشتهي، وكأنك قطعة أثاث أو طعام، أو قطعة مجوهرات مادية صلبة، في خدعة دنيئة للاستمرار في الاستحواذ عليك، أشعر بالخجل كلما رأيت طفلا يحمل الوصاية على أمه التي حملت به أشهرا في أحشائها، وحمته لاحقا من سقوط ربما كان سيجعل منه أثرا معلقا على جدار البيت في إطار خشبي.
أخجل كلما رأيت طفلا وصيا على أخته التي قامت على تربيته يوما ما ربما، وأعدت له رضعة الحليب وقلّمت أظافره المتسخة.
أحاول دس رأسي في أقرب أردية الامتعاض والأسف من أكثر من ذلك بكثير، ولا يسعني غير أن أتمسك برفع رايتي إلى جوارك، وأسير معك في شوارع كرامتك وعزمك، للحصول على آخر ما تعتقدين أنه حق لك، ولك فيه مشهد مهيب.
أختي المرأة العظيمة، لن أعتذر لك عما حدث على مر التاريخ، من وأد، وتهميش، وعنصرية، وازدراء، والتي تستمر اليوم في الحدوث بخزي على نحو وصورة ما، فذلك لن يكفيني أو يغفر لي ما حدث ويحدث، لكنني أعدك بالسعي جاهدا إلى الدفاع عن قضاياك، والاصطفاف معك حتى آخر يوم أتنفس فيه، لتحصلي على اعتذار كل هذا العالم دفعة واحدة، عن عزله لك ومحاولاته البائسة لإحراجك أو التقليل من حضورك وقدراتك، أو بعثه يوما الحزن في وجدانك، وتأطيره شخصك وشخصيتك، عن وأده أحلامك، عن تخلف رؤيته لك من نافذة الجنس واللا أخلاقي.
أمي وأختي وزوجتي وصديقتي وحبيبتي ورفيقتي، المرأة، بيولوجيّا أنت نصف من حمل على عاتقه بقاء النوع والجنس، وأنت أيضا من سمح باستمرار عجرفة الذكر البائسة في حياتك.
وعلى الرغم من علمك بذلك، إلا أنك لم تفكري يوما في وأده لإنهاء معاناتك من تلك العجرفة، وبلادة الفكرة التي تولد بعد أول صوت يطلقه في هذا العالم. فكم هو عظيم هذا الدرس سيدتي.
لن أكتب يا سيدتي المرأة عن الحقوق والواجبات التي يقرها العقلاء في هذا العالم المجنون، لأنك أكبر منها وأعظم، إذ لا أحد يتحدث أو يجادل في المسلمات المفروغ منها، ولن أتحدث عن منجزاتك الكثيرة جدا في مسيرة تاريخ البشرية، إذ يكفيك انهيارها وانقراضها وسقوط معناها بالكلية في غيابك عن مجريات يومياتها، وتحولها إلى مجرد فكرة عبثية باهتة، تماما كما وصف كارل ساغان الأرض بـ«النقطة الزرقاء الباهتة»، وعبثية ما يحدث عليها.
إن من أكثر ما يخجلني اليوم، هو أنني أعيش في عالم كبير، لا زال في أحد أهم أجزائه يرفع راية المطالبة بالمساواة والعدالة في الحقوق المدنية والإنسانية والأخلاقية، تماما كما يحكي التاريخ على امتداده مع تغيير الطريقة، ونسبه تحقيق أجزاء من تلك المطالبات والحقوق.
أشعر بالخجل كلما رأيت أمّا في عالمنا العربي تحمل طفلها على خاصرتها وهي تبحث عن قطرة ماء، لتسقي بها ظمأ من سيتحول يوما إلى وحش يتنمر عليها بخزي.
وإنه لمن المحزن أننا ما زلنا بكل هذا التخلف والغباء والعجرفة أيها العالم؟!