تناقلت وسائل الإعلام قصة الطفلة صفاء التي أجبرها والدها على الزواج من شخص يكبرها سنًا. وبحسب ما قاله الإعلامي داود الشريان تم التواصل مع وزارة العمل والتنمية الاجتماعية لحماية القاصر بعد تعرضها لتهديدات على إثر ظهورها في برنامج الثامنة فتعهدت الوزارة بحمايتها، ذهبت صفاء بعد وصولها لجدة لدار الرعاية الاجتماعية طلبا للحماية، والذي حصل أن مسؤولي دار الرعاية تواصلوا مع والدها الذي حضر للدار ووقَّع عدة أوراق لا تعرف صفاء ماهيّتها. النتيجة كانت مصادرة حرية صفاء وهاتفها الذكي وحرمانها من الذهاب للمدرسة ومنعها من الخروج مع أمها حتى ينظر القضاء في أمرها. قال والدها لزوج أمها بالحرف كما تحكي الطفلة (راح أخليها في الرعاية لين تعفن). باختصار تم سجن هذه الطفلة/الضحية لأنها احتاجت للمساعدة وطلبت الحماية من جهة رسمية فعوملت وكأنها هي الجانية. ربما غابت عني التفاصيل لكنّي أخفقتُ بصدق في رؤية المنطق وراء احتجاز الضحية وحرمانها من ممارسة حياتها الطبيعية التي لا يوجد فيها ما يخالف الشرع؟ كيف يتم منعها من الحياة بسبب وليها الذي احتاجت للقضاء أصلًا بسببه؟ هل من المنطقي أن تستأذن دار الرعاية من والدها وهو خصم لابنته في هذه الحالة؟ هل يصح لجهة حكومية أن تتخذ قرارها على هذا الأساس؟ لماذا لم تسع الجهة المخولة لحماية مصلحة الضحية ومنع تعسف وليها حتى صدور الحكم النهائي في القضية باعتبارها مواطنة سعودية لجأت وطلبت الحماية من الدولة الممثلة في دار الرعاية والقضاء؟
إن التقدم في أي مجتمع لا يتحقق بمعزل عن التشريعات، ولا يتحقق في مجتمع يجهل الأفراد فيه حقوقهم وواجباتهم ويتم التمايز فيه حسب نوعك الذي خلقك به الله، بعيدا عما نص الشرع عليه صراحة بلا شك. فقط عندما تصبح الحياة منقادة للقانون ومحمية بالأنظمة يبدأ الإنسان فعليا بممارسة دوره في عمارة الأرض بلا خوف ولا ارتياب.
عندما جاءت شابة تشتكي لرسول الله صلوات ربي وسلامه عليه من والدها الذي رضي لها خطيبًا بدون استئذانها ردّ النبي صلى الله عليه وسلم خطبته وأمر والدها باستئذانها، وفي هذا ردّ على من يتشدق بقوله (أنا وليها وأنا أدرى بمصلحتها). لقد قام صلى الله عليه و سلم بحمايتها من وليها ولو أن للأب حقا في تزويج ابنته بلا رضاها لأقرّ النبي صلى الله عليه وسلم والدها على فعلته.
نعم لدينا برامج تسعى لحماية المستضعفات لكنها لا تزال قاصرة عن النزول لأرض الواقع والوصول للمتضررات، وأكاد أجزم أن الغرب لا يتفوق علينا بالمصادر المادية أو البشرية المخصصة لمثل هذه البرامج بل بقدرته على توظيف هذه المصادر و الاستفادة القصوى منها.
على سبيل المثال تتصدر عبارة (مرحبا، أنا آنجلا) جدران الغرف المخصصة للسيدات والأطفال في الأماكن العامة من غرف الزينة أو دورات المياه أو غرف تبديل ملابس الأطفال في إحدى مقاطعات المملكة المتحدة. هذه العبارة السحرية هي شعار برنامج محلّي أنقذ حياة العديد من السيدات والأطفال وساهم في خروجهم من مواقف بائسة أو مهددة لسلامتهم. ببساطة عندما تكون السيدة أو الطفل في مكان عام وتشعر بأي تهديد أو خوف من مرافقها فإنها تهمس لأي موظف في محيطها قائلة (أحتاج آنجلا). بمجرد سماع الموظف لهذه العبارة فإنه يبادر للتصرف بجدية لاحتواء الموقف، كأن يطلب المساعدة المتخصصة للطفل أو يوفِّر سيارة لنقل السيدة لمكان أكثر أمنًا. هذا مجرد مثال واحد من عدة أمثلة لمشاريع بريطانية محلية تشرف عليها الحكومة تساهم في حماية الفئات الأضعف، مشاريع غير مكلفة وسهلة التطبيق إذا وجدت النية فعلا لتنفيذها والقوانين التي تحميها وتمنحها الصفة النظامية.
صفاء ليست الوحيدة، بل يوجد الكثيرات من أمثالها ممن لاحول لهن ولا قوة، تصارع إحداهن الحياة مع ولي متعسف وتخاف من اللجوء للأنظمة لأن الخطوات اللاحقة ليست واضحة بالنسبة لها، فهي تخشى أن تخرج من جبروت و تنكيل فرد واحد إلى وضع أقسى يجعل هذا الفرد قادرًا على إيذائها بسلطته التي تؤيدها الأحكام. هذا الخوف هو ما يجعل بعض المستضعفات يستسلمن لمن لايخاف الله ممن قد يساومها على مال أو عرض لينهي معاناتها، و لو وجد القانون و الرقابة لأعفينا الكثير من السيدات من تجارب مؤلمة.
إن المجتمع في الدول الحديثة يقوم على الأنظمة التي تديره وتكفل حقوق جميع فئاته وتعزز قيام الجميع بواجباتهم كذلك. بل إن حمورابي بدأ قوانينه بقوله (كي لا يؤذي الأقوياء الضعفاء؛ كتبتُ الآتي) ثم سرد قوانينه التي لا زلنا نتأملها حتى هذا اليوم. قوانين نقشها حمورابي على حجر فهل نحن عاجزون عن كتابة قوانينا على الورق وتطبيقها فعليا حماية للضعيف من القوي؟