يروي عالم الاجتماع العراقي (علي الوردي) أن حاكم مصر الانقلابي العسكري الألباني المكار (محمد علي باشا) طلب أن يقرأ عليه وزيره الأرمني آرتين فصولا من كتاب الأمير لمكيافيللي على نية ترجمة كامل الكتاب له فتزداد شيطنته وغدره. وفي قناعتي أنه ليس ثمة من شخصية سياسية مقرفة من أهل التدليس والكذب إلا قد أحاط علما بهذا الكتاب؛ فهو تحت وسادة النوم يقرؤون به فصول الحيل والكذب والغدر والمراوغة.
يقول الوردي إنه بعد ليال قال لوزيره الأرمني لا حاجة للمتابعة، فأنا أعرف من الحيل أكثر مما يعرف الرجل.
وروبرت جرين قصد مكان مكيافيللي في البندقية وتحدث مع البعض حول أفكار كتاب الأمير مما أوحى له بكتابة كتاب يشبهه أعطاه اسم القوة وترجمه البيجرمي إلى اللغة العربية بعنوان كيف تمسك بزمام القوة.
ويزعم صاحب الكتاب أنه اهتدى كما في مربع الشطرنج إلى 48 قاعدة في لعبة القوة مثل (لا تلمع أكثر من سيدك) و(تعلم كيف تستخدم الأعداء) و(قل دائما أقل مما هو ضروري) و(حياتك سمعتك فقاتل عنها) و(اجعل الآخرين يقومون بالعمل نيابة عنك) و(اكسب من خلال أعمالك وليس من أقوالك) و(تجنب تعساء الحظ والمقرودين) و(عندما تطلب المساعدة من أحد فلا تتسول بل خاطب مصلحة الآخرين) و(إذا سحقت فاسحق كليا وإذا ضربت فأوجع) و(لاتغضب الشخص غير المطلوب، حدد من حولك) و(خطط الطريق حتى النهاية) و(تظاهر أنك مغفل لتمسك بمغفل) و(تحكم بالخيارات واجعل الآخرين يلعبون بالأوراق التي توزعها أنت) و(داعب خيالات الناس، فالحقيقة مرة كريهة موجعة واخلق جوا من دجل الطقوس) و(أبق يديك نظيفتين، وليتطوع بالعمل القذر الآخرون) كما في قصة طلعت والسكري وسوزان المنحورة المنتحرة ربما.
وعند الفقرة الأخيرة يأتي مفهوم كبش الفداء، أي في حال مواجهة الكوارث والمصائب يسهل البحث عن السبب الوهمي لتلبيسه سبب الكارثة وهو منها بريء، ولكن لابد منها في لعبة القوة والسياسة، كما هو الحال بعد الحريق اليوناني وتدهور اليورو، فقد برز من العنصريين في كل أوروبا من يقول إن سبب الانهيار الاقتصادي هو الأجانب في أوروبا فاقضوا عليهم.
وبذلك أمكن العثور على كبش الفداء، وبالطبع فهي مواجهة غير صحية لمعالجة أصل الكارثة، ولكن عالم السياسة غابة يختلف عن عالم الحقيقة.
وهو نموذج يذكر بقصتين جميلتين الأولى عن عدالة شيلم والثاني عن قصة الحمار وحيوانات الغابة.
فقد حدثت واقعة مروعة في قرية شيلم حين قتل الإسكافي أحد الزبائن فحمل إلى القاضي فحكم بشنقه، فانبرى أهل القرية يقولون ولكن لايوجد عندنا غير إسكافي واحد فمن سيصلح أحذيتنا إذا شنقناه؟ هز القاضي العادل رأسه وهو يدمدم هم.. هم.. نعم فعلا معكم حق فمن الذي سيصلح الأحذية إذا شنقناه؟ والحل أن هناك اثنين من مصلحي السطوح فلنشنق أحدهما بدل الإسكافي ونبقي الثاني، صاح أهل قرية شيلم يحيا العدل. يحيا العدل.
أما قصة الحمار وحيوانات الغابة فقد ضرب القحط يوما الغابة، فقام الأسد فحمد الله وأثنى عليه وقال ياقوم يجب أن نتطهر، صاح أهل الغابة بصوت واحد نعم نعم. قال الأسد علينا أن نقدم الاعترافات حتى يرضى الرب ويعود المطر للغابة. ردد الجميع نعم نعم هذا صحيح. قال الأسد علينا أن نعترف بذنوبنا فهذا الذي سيصلح أحوالنا. قال الجميع نعم، نعم كلنا عليه واجب الاعتراف.
قال الأسد سأكون الأول ياجماعة، لقد كنت آكل الأغنام بشراهة مثل فطيرة محشوة بالزبيب، بل وأحيانا كنت آكل لحم الرعيان مثل سندويش لذيذ ولم يسيئوا إلي قط. صاح الثعلب إن حساسيتك مفرطة ياسيد الغابة فلعمري إن لحم الخرفان نجس ولحم الرعيان أنجس. همهم بقية الحيوانات نعم نعم. ثم إن الذئب والنمر والنسر والثعلب كلهم اعترفوا بالقليل. وبرأوا ساحتهم حتى جاء دور الحمار فقال ياقوم:.... دمدم الجميع، نعم نعم اعترف أيها الحمار الكسول الغبي ذو الرائحة النتنة. قال الحمار لقد مررت بجنب البستان فرأيت عشبا طيبا فقضمت قضمة بعرض لساني وأسناني. صاح الجميع هذا هو البلاء وسر القحط. ثم إنهم ساقوه للمشنقة وهو ينهق بريء والله بريء.
فكان الحمار كبش الفداء ولم تحل المسألة ولم ينزل المطر. فهكذا يحل السياسيون الأزمات.