من أهم مفارقات الإنسان وسلوكه في الطبيعة، تلك الفجوة العجيبة بين فائدة الشيء العملية وسعره المتعين في السوق.

فالماء -على سبيل المثال- رغم أهميته البالغة لا يمكن أن يصل ثمنه في الأحوال العادية إلى ثمن الأحجار الكريمة والمجوهرات مثلا!

ولكن ما الذي يجعل بعض الأشياء رغم فقدانها أي فائدة عملية، تقفز أسعارها إلى حدود قصوى من الارتفاع؟!

يبدو لي أن هناك عنصرين قد يساعدان في الوقوع على إجابة لهذا السؤال.

أحدهما، هو قدرة الإنسان على صبغ الأشياء بمعانٍ خارجة عن حقيقتها المادية، أو بصيغة أخرى قدرته على استعمال الأشياء المادية كرموز لقيم معنوية أكثر أهمية بالنسبة له.

حينها يزداد سعر الشيء تبعا لازدياد المؤمنين بأهمية تلك القيمة المعنوية، بصرف النظر عن أنها مؤسسة على أفكار منطقية أم لا.

فسواء كانت تلك القيمة دينية أو جمالية أو معرفية، فالأمر لا يختلف كثيرا بين أثر اتساع الشريحة المقدرة لها وارتفاع سعر الشيء المادي الذي يرمز إلى تلك القيمة عندها.

أما العنصر الآخر، فهو نزعة الإنسان نحو التميز والاندفاع فيه، خصوصا عندما يعبر التميز عن معان القوة والاستحواذ، وهي سمة متجذرة في الإنسان موروثة من عصور الاعتماد الكلي على الغلبة في الحصول على التقدير، إذ يعبّر مقدار ما يحوزه المرء من مقتنيات عما يتمتع به من قوة قاهرة.

يعمل هذان العنصران ليخلقا معا أشكالا من السوق بعيدة كل البعد عن الاهتمام بالفوائد العملية للأشياء. يتسع هذا السوق عادة وفق مراحل متتابعة ومتداخلة أحيانا.

لفهم هذه المراحل، علينا أن نأخذ إحدى تلك السلع ذات «القيمة التبادلية» العالية و«القيمة العملية» المنخفضة كمثال لهذه القضية، ولتكن «اللوحات الفنية» مثلا.

تشكل شريحة صغيرة من المهتمين الحقيقيين نواة لهذا السوق في مجتمع ما، حتى إذا ازداد عدد المؤمنين بها انجذبت إليها ما نسميها «الطبقة المتفرغة» بتعبير عالم الاجتماع الاقتصادي ثورستين فيبلين، وهي فئة مع امتلاكها الوفرة المالية تبحث عما تعلن به عن تفوقها في مجالات متسامية عن الربح الاقتصادي، إذ إن أفرادها -كسمة من سمات التفوق- يهدفون إلى نفي أي مسعى ربحي عن إنفاقهم، كما يحبون أن يظهروا تمتعهم بما ترمز إليه حيازة المال وليس المال فحسب.

من هذه الطبقة تتشكل الحلقة الثانية من المهتمّين بسوق «اللوحات الفنيّة»، أمّا الحلقة الثالثة فيشكّلها الساعون إلى التوغّل في هذه الطبقة من طبقات أدنى بواسطة الاتّكاء على الاهتمام المشترك.

ما يدفع هؤلاء عادة إما حاجات نفسية يحققها الانتماء إلى تلك الطبقة، أو غايات عملية غير مباشرة، من خلال توظيف علاقاتهم داخلها في تسيير أمور يكللها الطابع الربحي في نهاية الأمر.

أمّا الحلقة الرابعة الخالقة لهذا السوق والمخلوقة منه في الوقت نفسه، فهي فئة المضاربين الذين يتعرفون على أبعاد هذا السوق فيسخّرون تلك المعرفة ليربحوا من وراء اللعب على تقلباته، يساعدهم في ذلك كونه سوقا تحركه الدوافع الذاتية النفسية وليس الاحتكام إلى منافع قابلة للحساب والقياس.

للأسباب نفسها التي تجذب المضاربين، ينجذب عادة من يشكلون آخر حلقة من حلقات هذا السوق، وهم فئة غاسلي الأموال، فلا شيء يساعد على إخفاء الأموال المكتسبة بطرق غير مشروعة أكثر من سوق مزاجي تباع فيه أكثر الأشياء غموضا بأسعار يصعب التنبؤ بها أو تقديرها.

نظريا، ينطبق ما سبق على عدة أسواق مثل أسواق التحف، والأحجار الكريمة، والمنسوجات النادرة، والمخطوطات القديمة، والفصائل النادرة من الطيور والحيوانات، ومقتيات المشاهير، وغيرها .

يواجه عادة هذا النوع من الأسواق بسخط الاقتصاديين، وتحذيراتهم من تداعياته على الإنتاج وحركة المال في المجتمعات. فهو بحسبهم يؤدي إلى انحصار الثروة في فئات معينة تجني المال دون أن تقابل ذلك بطاقة إنتاجية تسهم في التنمية. هذا ما دفع بعض الدول المتقدمة إلى استثمار هذا النوع من الأسواق كأحد أهم الموارد الضريبية، بوصفها انعكاسا لحالة ترف غير منتجة. كما تستغلها أيضا كأحد روافد العمل الخيري، إذ إن إنفاق بعض عوائد هذه الأسواق على الأعمال الإنسانية، خلال مزادات هذه السلع أو ما شابه ذلك، يؤدي إلى تخفيض تكلفة المستحقات الضريبية على المنخرطين في السوق.

ألا يحق لنا التساؤل عند فهم كل هذا عن موقف المعاصرين من فقهاء المسلمين ونظرتهم إلى هذا النوع من النشاط الاقتصادي.

فعلى سبيل المثال من ناحية الزكاة المستحقة ونحوها، هل من المنطقي أن ينظر إلى بعير يُقتنى لغرض التباهي الطبقي، بالنظرة ذاتها التي ينظر بها إلى بعير يُستخدم للأغراض العملية المألوفة؟!